London City Image

العلمانية و التضخم الإداري أو أزمة المدنية الحديثة

د/ مصطفى بن حموش

لقد نجحت العلمانية تدريجيا في لفظ الدين  من دائرة الشؤون المدنية و السياسية و التشريع، و إفساح المجال لدولة القانون المؤسَّسة على العقل المجرد لإرساء أركان المدنية الجديدة و الدولة المعاصرة. و أضحى العقل هو  الكفيل بأن يجبر أية نقائص في المنظومات الوضعية الجديدة و الضامن لتجاوز ما يبدو من تعسف في عملية الفصل بين ما هو ديني و ما هو مدني في حياة الناس، و بين ما هو فطري و ما هو عقلي و منطقي.

و بعكس الفكر الديني الذي يعتقد بخلْق الطبيعة ووجود قوانين كونية تسيرها و تضبط كل مكوناتها سواء من البشر أو الأنظمة الإيكولوجية عامة، و بالإرادة الإلهية في تسخيرها للإنسان وفق مبدأ الاستخلاف الإلهي،  فإن الفكر العلماني ظل معتقدا و لا يزال أن الطبيعة وحدها بما فيها من عشوائية و فوضى لا يمكن أن تضبط نفسها مما يتطلب من الإنسان العمل دوما للسيطرة عليها و إخضاعها  لخدمته. و من ثم فإن الحياة البشرية ما هي إلا ملحمة تدعو الإنسان إلى الجهد المستمر لتطويع هذه الطبيعة و التحكم فيها. و بهذا فإن التقدم التكنولوجي و الصناعي و الزراعي ما هو إلا وجه من أوجه هذه الملحمة الذي يعكس سلسلة التحديات  و النجاحات  التي حققها الإنسان في سعيه لمواجهة الطبيعة المتفلتة و السيطرة عليها و إقامة مملكة العقل بعد إزاحة الفكر الديني.

بلفتة سريعة إلى الماضي و إلى مرحلة ما قبل العلمانية نجد أن حضور الدين في حياة الناس كان قويا و شاملا لمختلف نواحيها. فالحياة اليومية ما كانت إلا امتدادا للمعتقدات الراسخة التي يدين بها المجتمع. و قد يعكس توسط أماكن العبادة من مساجد و كنائس مراكز المدن والقرى ذلك الموقع المحوري الذي يحتله الدين في نفوس الأفراد و في حياتهم المدنية.

صحيح أن سلطة الدين في النفوس كان يشوبها أحيانا أو في الكثير منها الاستغلال لدى رجال الدين  و الساسة،  إذ كان رجل الدين يتصرف على أساس  احتكار الحقيقة المطلقة و ينصّب نفسه مصدرا لها و مالكا لمفاتيح الجنة و حارسا على أبواب جهنم، فيما ظل الحاكم أو صاحب السلطة يرى نفسه ظل الله في أرضه، يمثل عدالته في كل ما يتصرف فيه و يعتقد بحريته المطلقة في إدارة شؤون رعيته. صحيح كذلك أن الدين كان يشوبه الكثير من الممارسات الطقوسية المتافيزيقية الخارجة عن منطق العقل و التفسير. و صحيح كذلك أن أفرادا كانوا يعيشون النفاق الديني إذ يبطنون الكفر و يظهرون الإذعان لأحكام الدين و يقضون بذلك الكثير من حاجاتهم و يتبوءون مكانات بين الناس لا يمكنهم الوصول إليها لو كانوا صادقين. غير أن المجتمعات كانت تعيش على وقع  قيم نابعة من فطرتها فتضبط معاملات أفرادها و سلوكهم المدني وفقها. فقد كان الكرم و حسن الجوار و المؤازرة و نصرة المظلوم  و التعاون و احترام الكبير و الثقة و الأمانة و الانتماء إلى الجماعة و روح المسؤولية و التضحية كلها قيما يتوارثها الأجيال و يديرون شؤونهم وفقها بدافع الوازع، بعيدا عن عين السلطان و الرقابة الخارجية و سوط القانون.

لقد جاءت العلمانية بنظام مدني جديد يقوم على حُزم من التشريعات وضعها أهل القانون وفق ما يرونه من حفظ الحقوق و حماية المصلحة العامة و تحقيق الأمن و السلامة و الرفاهية و سيادة القانون و الدولة. غير أن تنوع الحاجات البشرية في غياب الضوابط الدينية التي تقلّصت إلى حدود الممارسات الطقوسية جعلت مجال التشريع الوضعي شاسعا بل هائلا. و قد اعتقد أهل التشريع -و لا يزالون- أن آلة التقنين و قوة الدولة كفيلتان بتغطية كل قطاعات الحياة المدنية. فماذا حدث بعد قرون و عشريات من التشريع العلماني؟

لقد تضخمت المنظومات القانونية و تعددت و أصبحت المدنية معقّدة بفعلها. فالقانون الذي كان يرمي إلى ترتيب الحياة و تحسينها تحوّل بفعل التراكم و التشعب إلى عائق في وجه الحرية و التصرف الآني الذي جبل الناس عليه. و لم يقتصر هذا التعقيد على الناس بل امتد حتى إلى أهل التشريع الذين أصبحوا يعانون من تكدّس النصوص و تلاطمها حتى أصبح لا يعلم السابق من اللاحق منها. و كثيرا ما تحوّل ذلك القانون الذي وضع أساسا ليحمي الحقوق و يسعد الناس إلى لعبة متاهة يمارسها من يحسنها و يجد المخارج للوضعيات العويصة. و ها هو المواطن المعاصر ينادي بتقليص حجم القوانين و تحرير الحياة المدنية من قبضتها الحديدية.

كما رافق ذلك التضخم توسع جهاز الدولة حتى أصبحت البيروقراطية أساس المدنية المعاصرة و العمود الفقري للمدنية الحديثة. فشؤون الناس أصبحت كلها تمرّ على مكاتب الموظفين و تتراكم يوميا  في انتظار دورها في الطابور الممل. و قد يصادف ذلك حالات من اللامبالاة و غياب روح المسؤولية لدى أولئك  الموظفين المتثائبين حتى أصبح المواطن يخشى الإدارة و يعاديها،  إذ تحولت إلى أداة إعاقة بدل أن تكون في خدمته. و أصبح السعيد من يعيش في منأى عنها و الشقي من يضطرّ للمعاملة معها. و إذا كانت البيروقراطية في بلد المنشأ -الغرب عموما- توفر على الأقل مستوى من المساواة في المعاملة بين المواطنين، فإنها في البلدان المتخلفة أصبحت وسيلة لنشأة طبقة اجتماعية تتحكم في دواليب الدولة، و ميدانا للمساومات لقضاء الحاجات و مرتعا للرشوة و الوساطة.

في مقابل توسع القوانين و تضخم جهاز الإدارة انحسرت القيم الفطرية و المبادرة الفردية  في الحياة المدنية تاركة المجال للمراقبة الخارجية و السلطة الأمنية و الفعل الإداري. فأصبح المواطن بذلك فريسة لعقلية البايلك، يحجم عن الحركة و المبادرة، كون ما قد يقوم به من مهام الدولة و صلاحياتها. فالنظافة و حماية الممتلكات العامة و المشاركة مع الآخرين تحولت في أذهان الناس إلى وظيفة إدارية. و بتقلص الوازع الديني للأفراد توسع الإهمال و النأي عما يرونه حولهم. فالسرقة و الاعتداء و التخريب و التلويث غدت ظواهر لا تحرك الأفراد بسبب ما أصبحوا عليه من إحجام و اتكال على الدولة و الإدارة.

كما أصبح سلوك الأفراد رهينة سلسلة من التراخيص المتعددة من فروع الإدارة المتشتتة و المتضاربة أحيانا. فهناك رخصة للسياقة و أخرى للبناء و ثالثة للتجارة و رابعة للعمل، و قد تحتاج الرخصة إلى رخصة أخرى مما جعل مساحة حرية الفرد تتقلص و تغدو بقعة صغيرة في بحر الممنوعات التي تحيط بها. لقد أصبح المنع و التحريم هو الأصل، فيما غدا الجواز و التحليل هو الاستثناء. و مع طول الزمن ترسخ في أذهان الناس أن المواطن الصالح هو ذلك  الكائن الطائع و المدجّن الذي ينقاد لأوامر الإدارة و يطبق القانون دون تساؤل و لا يبدي أية مقاومة تذكر أو نقد ينطق خشية إعاقة مسار المدنية والمعاصرة أو السقوط في حفرة العقوبات.

لم يقتصر تغوّل الدولة على ربط  أفراد المجتمع إلى دواليب البيروقراطية بل إنه حوّل المجتمع إلى خادم لها و ذلك بحجة خدمة الوطن و الحفاظ على المدنية و الاستقرار و الأمن، و هي التي أنشئت أصلا لخدمته. فالحرص على الاستجابة للقوانين و السير وفقها أولد في نفس ذلك المواطن حاجة إلى إرضاء الإدارة و الرضوخ لها طوعا و كرها، أو طمعا و اتقاء. فها هي موارد الدولة و ضرائب المجتمع تكرّس لتحسين ظروف الإدارة و ها هي رواتب الوزراء و النواب و المدراء و الموظفين الكبار تتضخم اعتقادا بأن ذلك هو من ضرورات  الدولة الحديثة و دهنًا  لآلة البيروقراطية.

لقد انصهر المجتمع  كليا و أعيد تركيبه وفق منظور المدنية العلمانية الجديد. ففي ظل هيمنة  الدولة على مختلف القطاعات المدنية و الممارسات الفردية و الجماعية، انحلت الروابط بين الأفراد و تفتت المجتمع إلى آحاد عزّل لهم إذعان تام لقوة السلطة و القانون و ارتباط كلي بالدولة المركزية. و فيما كانوا في الماضي يستشيرون كبارهم و يتقاضون إلى حكمائهم و يتفاهمون بينهم داخل دوائرهم الاجتماعية المتدرجة فقد أصبح الناس يحتكمون إلى الإدارة و الهيئات الحكومية و المؤسسات الرسمية، لأن الجهات الأخرى غدت منزوعة السلطة و غير ملزمة، هذا إن لم تكن قد اندثرت.

غير أن واقع ما بعد الحداثة أخذ يبدي لنا ظواهر لم تكن إلى عهد قريب في الحسبان. فقد أخذت المدنية تعيش حالة من الازدواجية بين ما هو رسمي و غير الرسمي، و بين ما هو قانوني و غير قانوني، و بين ما هو إداري و ما هو عرفي.  ففيما أفرزت البيروقراطية فئة  تستفيد من خدماتها و تنتظم بضوابطها، فقد أخذت الكثير من أوجه الحياة المدنية تشهد ظهور النزعة التحررية التي يتحلل فيها المواطن من قيود الإدارة و أثقالها. لقد قامت السوق السوداء في مواجهة الاقتصاد الرسمي، و الأحياء العشوائية في مواجهة المدن المخططة، و المعاملات العرفية بدل الإجراءات الإدارية، و المنظمات “الفوضوية” في مقابل المؤسسات الرسمية، و الاقتصاد الموازي في مواجهة الاقتصاد الرسمي،  و فيما كان يعتقد أنها ظواهر هامشية في الحياة  المعاصرة فقد أصبحت مع الوقت الملاذ الذي يلجأ إليه الكثير من الناس بعدما يئسوا من القانون و الإدارة أو في غياب الدولة أو ضعفها. و لم تكتف هذه الظواهر بالحضور الموازي بل إنها أخذت تتنامى و تأخذ مكان الدولة و البيروقراطية كلما أتيحت لها الفرصة. ففي حالات الاختيار كثيرا ما يلجأ الناس بمحض سجاياهم إلى قضاء مصالحهم بعيدا عن المعاملات الإدارية الثقيلة و اعتمادا على رصيد الثقة المتداول في المجتمع. و بالجملة فقد أخذت دول العالم تصنّف وفق مؤشرات الحوكمة من المجتمعات الأكثر طواعية لدولة القانون و أخرى و هي الأكثر عددا إلى الأقل ارتباطا بها. فهل نشهد يوما تنهار فيه العلمانية و تموت فيه البيروقراطية و تولد فيه حياة جديدة يحكمها الضمير والوازع الديني و قليلا من القوانين و الإدارة الخفيفة؟

London City Image

المدينة العصرية : لندن

صورة مدينة سلوفينيا

مدينة قديمة:بيران،  سلوفينيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *