ذكريات أدبية: سلامي على البحرين

د/مصطفى بن حموش

منذ أن وطئت قدماي أرض البحرين إلى يومنا (2010)،  و قد تجاوزت إقامتي فيها العشر سنوات، وجدت نفسي أنجذب إلى  المكان، و غدت ألفته تخفف عني وطأة الغربة شيئا فشيئا فتعوضني عن حنان بلدي حنانا بديلا. من يأتي من بلد واسع سيدرك  مدي الضيق الذي سينتابه عند نزوله بلدا صغيرا. لكن ذلك الضيق النفسي الذي تسببه جغرافيا المساحة يزول بعامل جغرافيا البشر. فذلك البلد الصغير قد يرتبط بالعالم الخارجي الواسع، فيما قد ينغلق ذلك  البلد الواسع على نفسه. لقد كانت جزيرة البحرين منذ بدء الخليقة في ارتباط دائم مع الخارج  بالتجارة و العبور و الحل و الترحال. فهو مكان يتجسد فيه التنوع البشري الذين يرتبط بنو آدم  ببعضهم بآدميتهم و  يختلفون في العادات و التقاليد و السلوك و اللغة و غيرها من خصوصيات بني البشر لكنهم سرعان ما يجدون الطريق للتعايش الحميم.

كنت طوال إقامتي أقاوم جيناتي الخاصة التي جئت بها من بلدي الجزائر لأخفف عن نفسي و عن غيري و أسهل الترابط الاجتماعي. فمما كنت أعانيه و لا أزال تلك الخشونة الطبيعية التي تصاحب كل جزائري في سلوكه و معاملاته التي تعكس الفطرة أكثر مما تعكس النفور. فقد كتب علينا أن يكون كلامنا خال من المجاملات الزائدة، و هو إن تحدث بها تكتشف بسهولة أنها مصطنعة في سياق ألفاظه. لكن تلك الخشونة كانت هي نفسها علامة الصدق والبراءة و تطابق السريرة و العلانية. لقد كنت أجتهد لأن أمدح أعمال طلبتي بقولي لهم جيد فيما يفعلون، فيما كانوا يضجرون من الكلمة التي كنت أعتقد أنها منتهى المدح، لأن السقف عندهم كان الممتاز.

سأفقد أزقة المحرق الضيقة التي تذكرني عندما أزورها ببغداد و دمشق و القاهرة و بالتاريخ  الذي أعيشه كل يوم في بحوثي عن المدن الإسلامية العتيقة.  سأفتقد روائح البهارات القديمة التي تنبعث من أسواق المنامة و شوارعها الضيقة و التي أغادرها دون أن أعرف اسم الكثير منها و لا عن كيفية استعمالها أو الطهو بها.  سأفتقد كذلك تلك الشطآن الهادئة على طول كورنيش الفاتح و بلاد الجزائر التي كانت تؤنسني باسمها و توحي إلي بأنها همزة وصل بيني و بين بلدي البعيد الذي يعاودني كلما رأيت البحر أو الطائرة تحلق في السماء قادمة أو ذاهبة. سأفتقد بائعي الاسماك الطازجة ذوي الثياب المتواضعة و المعاملات السمحة و كذلك بائعي الخضار الذين أجد سهولة في المزاح معهم دون مقدمات أو معاملات اصطناعية. تلك الخضار و الفواكه لتي تأتي من كل مكان رغدا، و التي كثيرا ما أفضل أن أشتريها من بياعيها في  الشوارع تعاطفا معهم و تفاعلا مع إنسانيتهم التي داستها المحلات الكبرى و المتاجر  الزجاجية المغلقة.

سلام إلى بلد أعطاني الراحة والوقت الكافي للقيام ببحوثي و تحقيق ذاتي في الساحة الأكاديمية و الاتصال بالعالم الخارجي دون الإحساس بالحرج المادي أو الخوف الأمني.  

سلامي إلى طلبتي الذين كنت قاس في نظرهم آملا أن يكون في ذلك قسوة الأب الذي يرى فيه مصلحة أبنائه، و هو بذلك مشبع بمصطلحات المدرسة التعليمية القديمة التي كانت ترى الشدة في التعليم والتربية هي السبيل الوحيد لإخراج النخبة و رفع تحدي الجهل و التخلف بين الأمم. لقد كنت أظهر عند الكثير من طلبتي بأني شديد و كان ذلك يدفع الكثير من الطلاب الجدد تجنب التسجيل في الشعب التي أتولى تدريسها، و كنت أرى ذلك و لا أستطيع فعل شيء لأني كنت أضبط نفسي بما أعتقده تعليما و مستوى معينا لا يجب النزول عنه و الأهم هو عدم المتاجرة بتوزيع العلامات و الحصول على رضا الطلاب و تحقيق الدعة و الاستقرار. و كنت بحق في حرب مع نفسي طوال تلك الفترة و أعترف بأني ضعفت مرات أمام ملاحظات زملائي خاصة من أهل البلد الذين أرادوا لي الخير رحمة بي و خوفا على إضاعتي. لكن الدافع الداخلي كان دائما يمنعني من التغيير نحو ما كنت أعتقده خيانة للضمير.  و لكل من شاركني مهنة التعليم  أن يحكم لي أو عليّ لأني لا أستطيع أن أقول كلمة الفصل في هذا الأمر.

سلامي إلى بلد يقع في الطرف الآخر من بلدي الكبير الذي يمتد من المحيط إلى المحيط و الذي مكنني لأن أعيش حلم طفولتي و يحقق درس معلمي الجغرافيا في بلادنا العربية الكبيرة. لقد كنت  دائما ولا أزال أؤمن أن حدود دولنا، هي من مخلفات الاستعمار، و أن مرورنا من بلد إلى آخر بما يتطلب من تأشيرة كان بمثابة مرور من منطقة إلى أخرى بعوائق إدارية. تعجبت عندما سألني أناس عن عائلة تنسب إلى جزيرة سترة توجد في الجزائر، و عن الزياني  في البحرين التي قامت لها دولة كبيرة في تلمسان غرب الجزائر، فلا أجد جوابا. غير أني متأكد أن أجدادنا هنا و هناك كانوا يتنقلون فيما بينهم، فقد انطلقوا من مسقط و استقروا في غرداية، و أقلعوا من وهران فأقاموا في دمشق بعد أن قطعوا المسافات و مروا بالبلدان لا تستوقفهم تأشيرة، و لا يحتاجون إلى فندق يأويهم، لأن الكل كان يقوم بواجب إيواء عابر السبيل و إقراء الضيف.

سلامي إلى أهل البحرين الذين نشأ بينهم أبنائي و بناتي و أصبحوا يتكلمون لهجتهم بكل طلاقة فيضحكون و يضحكون من يسمعهم من أقاربهم و أهالي بلدهم لما للهجة البحرين من نكهة خاصة. سلامي إليهم لأني و بعد أن كبروا أصبحت راض عنهم و عما اكتسبوه من قيم و أخلاق و معارف قد تكون مفقودة في بلدان الغرب أو عزيزة حتى في بلدان مسلمة أخرى.

أملي في البحرين أن يعيش في سلام و وئام يحسدهم عليه الكثير من البلدان التي عاشت الخراب الأهلي فلم تقو على أن تعيد الحب و الروابط بينها بعد أن انغرزت الفرقة بينهم. أملي أن يكون  الاختلاف مصدر التنوع الاجتماعي الذي يعكس سنة الله في خلقه. أملي أن تتسع صدور  أهل البحرين لبعضهم البعض و للآخر الذي حكم له القدر ان يتقاسم معهم العيش في المكان الواحد، و أن يعيشوا جنبا لجنب مثل ما كانوا منذ تاريخهم الغابر.    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *