إنتاج القيم في المجتمع الإسلامي بين الثبات والتغير

د/مصطفى بن حموش
أستاذ بجامعة البليدة
بناء المجتمع من خلال القرآن الكريم 
برنامج الملتقى الوطني الثامن للقرآن الكريم 

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين 
مدينة الوادي، أيام 22-23-24 مارس 2014 

إنتاج القيم في المجتمع الإسلامي , بين الثبات والتغير

تعريف القيم

القيم هي المعايير العامة التي تشكل في مجملها النظام الاجتماعي و النسق الثقافي و الوفاق الأخلاقي للمجتمع. و هي كذلك  اعتقادات راسخة في العقل، لما هو صحيح و ما هم مهم. فالقيمة تقتضي الإيمان بأن شيئا ما هو خير و ذو قيمة،  و هي كذلك تقود الفرد في تحديد الأفضليات من بين الخيارات المتاحة له، و ما هو جدير في حياتنا للحصول عليه أو ما هو جدير للتحقيق و المجاهدة. و القيم تزود الشخص في إطار مجتمعه بالتصور العام لما هو خير أو صالح أو جيد، و هي بذلك تمدنا بفهم الخلفية الفكرية  التي توجه الناس في حياتهم و تضبط الأنشطة التي يقومون بها في اليوم.

 

و تعرف القيمة في  علم النفس على أنها الشيء المهم في حياة الإنسان و التي توجّه وترشد السلوك الإنساني. أما في علم الاجتماع  فهي تلك الحقائق الأساسية في البناء الاجتماعي. و مع أن القيم تنتمي في الغالب إلى العلوم الإنسانية فإن لها إسقاطات مباشرة على بقية مناحي الحياة الأخرى، بما فيها عالم المادة أو الاقتصاد.     

تأصيل مفهوم القيم

من حيث اللغة فإن القيمة كلمة أصيلة في الثقافة الإسلامية و له جذور في القرءان الكريم. فهي مذكورة في عدة آيات من القرءان الكريم.و من ذلك “ذلك الدين القيم”.  التي تعني صفة ما هو مستقيم و ليس فيه اعوجاج، ” دينا قيّما” أو “دينا قِيَما” و هو الذي لا يكفي بوضع المعيار و تعريف ما هو صحيح و خطأ، و إنما يتعداه إلى تحقيق صحة الأشياء عمليا عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. “فيها كتب قيمة” و هو ما فسر بكونه تلك الكتب المنزلة مِنْ اللَّه و هي التي تكون عَادِلَة و مُسْتَقِيمَة, لَيْسَ فِيهَا خَطَأ لأنها من عند الله.

أما من حيث المعنى فإن  القيم تكاد تتطابق مع المفهوم الفقهي و الأصولي المعروف باسم العرف. فالباحث في معنى القيم يجدها هي نفسها تلك الأعراف المستقرة و المشروعة التي يلجأ إليها الناس في الحكم على صحة السلوك أو ما يجب أن يكون من منظور المجتمع الذي نحن فيه. و قد تتعدد الأعراف بذلك حيث تتوزع في مجالات كثيرة من الحياة الاجتماعية. فهناك  قيم الجمال و هناك قيم العمل  و قيم المعاملات التجارية و قيم الجوار. و لعل من أهم ما يعرف لدى العامة قيم التحية و الأمانة و الوفاء و الصدق و الجدّ و الإحسان و حسن الجوار و غيرها.

وظيفة  القيم

في العادة يلجأ الانسان إلى  القيم كمعيار لتقييم الاعمال والتصرفات سواء الصادرة منه أو من غيره. فهو يعتبرها ميزاناً لكلامه وكلام غيره ، ومقياساً لترجيح أمر على آخر. فجميع شؤوننا في الحياة من عمل و زواج و دراسة وعلاقات تخضع  للتقييم. فالقيم  هي المعايير التي نستند إليها لإصدار الآراء والأحكام وعلى اساسها تبنى كل أعمالنا الحاضرة و مشاريعنا المستقبلية. و هي كذلك التي تؤطر مشاعرنا واعتقاداتنا وأفكارنا.

تشكل القيم الاجتماعية بنية العقل الجماعي. فالقيم تفسر للشخص الأجنبي السلوك الاجتماعي للأفراد و الجماعات في مجتمع ما. وهي في نفس الوقت  المصدر الاجتماعي لنمطية  سلوك الأفراد و طريقة تفاعلهم مع الآخرين.

أما داخل المجتمع فإنها تفيد في التفاهم و التوافق الاجتماعي و بالتالي إلى استقرار النظام الاجتماعي و تماسك أفراده في بناء واحد. فهي تزود الفرد  بالتوجهات العريضة لما يجب أن يكون عليه السلوك المفترض و ما يتوقعه المجتمع منه. و هي بالتالي وسيلة لإصدار الأحكام على التصرفات و الممارسات المتعدية.

يكون دور القيم في المجتمع بمثابة  العملة غير الملموسة التي يلجأ إليها الناس في التعامل بينهم و تبادل المنافع و التعايش. و تعكس مجموع القيم السائدة في مجتمع ما التراث غير المادي للمجتمع. فيكون الرأسمال الاجتماعي كبيرا عندما يكون رصيد قيمه كبيرا، و العكس كذلك صحيح حيث أنه  كلما نقصت القيم فيه، نقص رأسماله الاجتماعي المعنوي.

أما في المجال الثقافي فهي تمثل المرجعية الثقافية التي تميّز هوية المجتمع عن غيرها من  المجتمعات البشرية الأخرى. فهي من جهة تبيّن مدى اشتراكه مع تلك المجتمعات، و في نفس الوقت مدى تميزه عن الآخرين. فحتى في المجتمعات التي يكون الدين هو المرجع الأساسي المشترك الذي يحدّد الخير والشر، و الواجبات والحقوق، فإن فإن بعضها  ينفرد عن بعض بقيم مذهبية و أحيانا  طقوسية مختلفة عن المجموعات الأخرى، و هو ما يرتبط بالمذهب. ففي شمال إفريقيا مثلا كان  الطالب يطلق خصوصا على حافظ القرءان، كما ظهر اسم الحزّابين الذي يطلق على من يقرأ عددا من الأحزاب، و هو ما لا نجده في بلدان المشرق.

أمثلة القيم السائدة في العالم

تتدرج القيم في عالم البشر في دوائر متصاغرة. فالبشرية تشترك في الكثير من القيم العليا التي تعدّ من قبيل الفطرة، و ذلك لأنها من القوانين الطبيعية أو السنن الكونية التي يدركها كل ذي عقل. و من تلك القيم احترام قيمة الإنسان، و حفظ حقوقه الأساسية، و الاعتراف بالوطنية، و الوفاء في المعاملات مهما اختلف الإنسان الذي نتعامل معه، و حق التعبير الحر، و لغة الابتسام، و الإحسان.

غير أنها تتنوع عندما تختص بالدوائر الاجتماعية الأدنى، حيث تنفرد المجموعات البشرية بقيم خاصة بها بحسب ما ترسخت فيها من عقائد و أعراف. فقيم الطبقية الاجتماعية في المجتمع الهندي القائمة على الانتماء الديني و التدرج الاجتماعي تختلف تماما عن الطبقية الاجتماعية في المجتمع الأوربي التي تعكس نتائج التنافس الاجتماعي الذي يفرزه القطاع الاقتصادي. و سنعرض بعض النماذج من هذا الاختلاف الجوهري بين المجتمعات الذي يفرز القيم.  

القيم في المدنية الغربية

ماكس ويبر و القيم الغربية المحفزة

يرى ماكس ويبر  أن التقدم الاقتصادي و التفوق الحضاري اللذان تحضى بهما المجتمعات الغربية حاليا ما هي في الواقع إلا ثمرات الروح الرأسمالية و التي هي بدورها وليدة  مثل عليا للمذهب  البروتستانتي التي تحولت إلى قيم. فقد لاحظ أن البروتستانت في ألمانيا بخلاف الكاثوليك يتمتعون بأخلاقيات العمل حيث  يشتغلون بجد، و يتقدمون بذلك في كسب الثروة عن غيرهم. فهم يؤمنون بأن “الاستكانة و الركون هي من أكبر الآثام” و أن “العمل وفق ما يريده الإله هي المهمة التي من أجلها خلقنا” و أن “الساعة  الضائعة من الجهد هي ضياع من وقت العبادة”.  و في ظل هذه المعتقدات ينبع عند الشخص البروتستانتي الحرص على العمل و بذل الجهد، و تحقير من لا يعمل و لا ينجح في حياته المادية، و الحث على التنافس المادي كوسيلة لتحقيق الرفاه، و الانضباط في العمل كضمان لذلك التوجه، و العمل الجماعي كضرورة للرفاه الاجتماعي و  تحقيق الثروة. فالقيم البروتستانتية التي تجسدت في الرأسمالية و عمت الغرب حسب ماكس ويبر هي  التي تفسّر لنا ما يتميز به المجتمع الغربي من تحفّز نحو الإنتاج، حيث صنعت مجتمعات تشرّبت بقيم الانضباط و الصرامة و التفاني في العمل و الإيمان بالمادية و الملموسية و  الربحية خلف كل عمل يقوم به الإنسان، و العقلانية عند الانطلاق في المشاريع.  

من البديهي أن تتحول تلك الأخلاقيات البروتستانتية إلى  مصدر مغذّ لثقافة الأجيال التي تقوم بدورها بإنتاج القيم الدنيا التي تضبط السلوك اليومي و تدير مختلف مجالات الحياة المدنية. ففي استفتاء على الشباب الجامعي الأمريكي، أظهرت النتائج أن معظم الطلاب يرون أن أعلى قيمة محفزة للأفراد هي الثروة. فطموح الشاب عند التخرج هو أن يسعى ليكون غنيا ثم إن أمكن أن يكون  بليونيرا أو مليارديرا.

القيم بين المجتمعين الأمريكي و الياباني

ترتبط القيم اليابانية في الأساس  بالكونفشيوسية التي ترى التناغم و التكامل و التفاعل بين السماء و الأرض و عناصر الطبيعة و البشر، و ترى أن الأنانية و الفردية شر يجب اجتنابه. و يتعلم أطفال اليابان منذ وقت مبكر كيفية التعايش مع الغير. فهم يعتقدون منذ الصغر أنهم أعضاء بل امتداد للمجتمع ابتداء من العائلة إلى غاية المجموعات الأكبر مثل الجيران  و زملاء. و قد تنتهي قيم التفاني لخدمة الجماعة في الحالات القصوى إلى الانتحار، كتعبير عن الاخفاق في تأدية المهمة.  يتجنب الياباني المنافسة و المواجهة المفتوحة، و يحاول دائما أن يتجنب النظر المباشر في الوجه. نتيجة لقيم عدم المواجهة، فإن اليابانيين يلجأون دوما إلى وسطاء في كل المعاملات لتليين المواقف و إفهام كل طرف ما يريده الطرف الآخر.  فمعرفة ما يريده الآخر بكل تأكيد و دقة يحفظ ماء الوجه و يجنبنا المصادمة.

يعتقد الياباني أن العمل مع الآخرين واجب و لكنه يتطلب التحكم الكبير في الذات.  و في المقابل يحمل لذة الانتماء و  الهوية الاجتماعية ويشعِرصاحبه برضا الإحساس بالإسهام في المجتمع. يعتقد الفرد الياباني كذلك أنه لو  كان كل فرد يقدّر واجباته و يتفهم أوضاع الآخرين فإن الجميع سيستفيد. و كثيرا ما تتجسد هذه القيم الجماعية من خلال اللباس الموحد أو “اليونيفورم”،  و الاصطفاف وراء شعار، أو نشيد واحد يزيد في تميّز الفريق عن الآخرين. كل ذلك يتطلب الاهتمام بقنوات الاتصال التي تضمن ذلك الترابط. و لذلك فإن  الاهتمام بالأشخاص الذين سنعيش معهم و سنرتبط بهم طول حياتنا من خلال الشغل أو الزواج أو الجوار في أعلى سلّم الاهتمامام الاجتماعية. 

التدرج الاجتماعي في الثقافة اليابانية أساسي في الحياة المدنية و أمر طبيعي. فالعمر أو المقام أو الجنس يحدد طبيعة التواصل و سلم القيم. و من الأحسن عدم مخالطة الغريب ليس كرها له أو تعاليا عنه، و إنما خوفا من الخطأ في حقه و عدم معرفة مقامه.  وقد أصبح تقديم بطاقات التعريف “بيزنس كارد” قبل الحديث أمرا ضروريا و حضاريا. فالسلوك الذي لا يكون في المقام الذي يوضع فيه الإنسان يكون أمرا مشينا جدا. و اختيار الكلمات و التشريفات و الألقاب جزء من القيم اليابانية. و الثقافة اليابانية غنية بالعبارات المنمطة بحسب المقام. بل إن  هناك ألفاظ تقتصر على النساء فقط و أخرى  يستعملها الرجال.

التدرج يتطلب من الذي يكون في مقال المسؤولية حملا أكثر من غيره. ففي مقابل الاستقلالية في القرار يكون كذلك التبعات المطلقة لأي شيء يحدث نتيجة تلك القرارات. و لذلك فإنه كثيرا ما يحدث للمسؤول أن يستقيل مباشرة بعد حدوث كارثة أو حادث ضمن قطاع مسؤوليته، حتى و إن لم يكن بسبب التقصير أو بمسؤوليته المباشرة. نتيجة لذلك فإن الياباني يكون دائما في صراع نفسي بين ما يريده و ما يجب أن يكون. لا يعني أن فردية الإنسان الياباني منسحقة وإنما لها مكانة و تعريف آخر في إطار المصفوفة المجتمعية. فما يقدمه الإنسان للمجتمع و مدى نجاحه في تكيّفه مع الواجبات و مجاهدته  لنفسه في سبيل ذلك هو الذي يحدد قيمته.

أما النموذج الأمريكي، فعكس النموذج الياباني، يؤسس منظومته القيمية على قيمة الفرد. فهو يرى أن كل إنسان يملك مصيره في يده، حيث عليه أن  يتحكم في محيطه و مستقبله. فوجود الإنسان ليس عرضة للحظ، و لا نتيجة معطيات التاريخ والماضي. فكل واحد يجب أن يكون هو نفسه و لا يكون نتيجة الآخرين. و قد يؤدي ذلك إلى أن يكون الفرد معزولا و وحيدا. و في المقابل فإن ذلك الإنسان يحيا مستقلا و معتمدا على ذاته.  و يكون أقصى ما يأمله أن ينعم بثمرات نجاحه و مجده بما يحققه شخصيا. وفق هذه الرؤية تشكل قيم الفردية و الخصوصية و التميّز مركز الثقافة الأمريكية. 

بعكس الشعوب الأخرى التي تزخر برصيد كبير من التاريخ، فإن الأمريكي يرى أن  التطلع نحو المستقبل، و الحرص  على تحقيق الهدف المنشود،  يعطي الأمل و ينسي الجراح و آلام الماضي. نتيجة لذلك يكون  التغيير المستمر قيمة إيجابية لدى الأمريكي و علامة تحسن و تطور و نمو. أما الحاضر فإنه يرتبط بمعادلة  الوقت و المال “تايم إيز موني”. فالقيم الأمريكية  تجعل منه  شيئا ثمينا لا يجب أن يمر دون إنتاج. و كثيرا ما تكون  متطلبات  الفعالية على حساب العلاقات الشخصية والعاطفية مما يقتضي أحيانا التضحية بهذه الأخيرة.

يعتقد الأمريكيون كذلك أن المساواة بين البشر تقتضي غض النظر عن الانتماء العائلة أو الطائفي و هو ما يضمن  لكل فرد الفرصة مثل باقي البشر ليثبتوا مكانتهم و جدارتهم.  كما تكون المنافسة هي السبيل لمعرفة الأحسن في الساحة و وضع كل إنسان مكانه، كل بحسب درجة نجاحه، و هو ما يقود أحيانا إلى النزعة التنافسية على حساب العمل الجماعي و المساهمة.

الفعل و كل ما وراءه  ثمرة عملية يكون محل تمجيد، و ما ليس وراءه عمل، فيكون مجرد فلسفة سلبية تستهلك الوقت و تضيعه. و من تبعات هذا الاعتقاد أن  الأفكار المطروحة ترتبط دائما بمدى إمكانية تنفيذها  و ممارستها في الميدان. و في الأخير فإن المادية هي شيء إيجابي و ثمرة طبيعية للجهد و العمل الشاق. و ذلك ما يدفع معظم الأمريكيين إلى اعتبار قيمة الاشياء و المكتسبات أحيانا قبل  الأشخاص و العلاقات.

إنتاج القيم في المجتمعات المسلمة

     ترتبط القيم في الأساس بالمعتقدات السائدة في المجتمع. و لذلك يكون الدين هو المصدر الأساسي لإنتاج القيم. و في حالة      المجتمعات المسلمة فإن المثل العليا مثل الصدق و الإخلاص و الإتقان و الإحسان و الإيمان بالغيب و الشجاعة و حسن الجوار  و المعاشرة و عدم الاسراف تكون هي نفسها القيم العليا أو المركزية التي يدعو إليها الإسلام و هي التي تكوّن البنية القاعدية لقيم تتفرع عنها.  و قد تكون معظم هذه القيم مشتركة مع الأمم الأخرى و ذلك كونها من الفطرة التي فطرت عليها الإنسانية (…فطرت الله التي فطر الناس عليها)[1] . أما في مستوى أدنى فإن تفاعل الأحكام الإسلامية بالسياق الثقافي المحلي، يولّد ممارسات و ضوابط تترسخ بالوراثة من جيل إلى آخر تتحول بدورها إلى قيم فرعية خاصة بالبيئة الاجتماعية التي ينشأ الإنسان فيها. فالآباء، و الأمهات خاصة،  يغرسون القيم  في نفوس أبنائهم في وقت مبكر، حتى تتحول إلى قيم تسكن منطقة اللاوعي العقلي. فقد جاء في الحديث النبوي أنه (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه،…)[2].  و قد يكون بذلك الحكم  الشرعي الواحد مصدرا لأعراف متعددة بتعدد المناطق الجغرافية.

و لكون الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق[3] فإن الكثير من السلوك المقبول في المجتمعات ما قبل المسلمة قد يصبح جزءا من أعراف المجتمعات المسلمة. و بقول آخر فإن محاسن المدنيات الأخرى  كانت تتسرب إلى ثقافة المجتمع المسلم. بل إن التاريخ الإسلامي يبيّن أن المجتمعات ما قبل الإسلامية، التي أسلمت فيما بعد، مثل بلاد فارس و الهند،  قد احتفظت ببعض من الممارسات و القيم التي لا تتماشى مع روح الإسلام. و من أمثلة ذلك تجسيد أرواح الملائكة و النبيئين و تصوير الكائنات الخيالية في فارس، و بناء الأضرحة و المعابد في الهند (تاج محل).

خوارم المروءة كوسيلة لحماية القيم

طورت الثقافة الإسلامية نتيجة الاهتمام بالقيم و الأعراف وسيلة لحمايتها و المحافظة عليها عرفت لدى علماء الحديث و  في القضاء و حتى في الرأي العام باسم خوارم المروءة. و هي تعبير عن ذلك الردع الاجتماعي لمن يخالف الأعراف الجارية. ففي رأي الزنجاني أنها (في الجملة هي رعاية مناهج الشرع وآدابه والاهتداء بالسلف والاقتداء بهم أمر واجب الرعاية )[4]. و في تعريف جامع و مانع لابن حبان : ” المروءة عندي خصلتان : اجتناب ما يكره الله والمسلمون من الفعال، واستعمال ما يحب الله والمسلمون من الخصال. و ترتبط خوارم المروءة بالعرف السائد في البلد دون غيره. ففي شرح الوجيز للزنجاني أن 🙁 المروءة يُرجع في معرفتها إلى العرف ، فلا تتعلق بمجرد الشرع ، وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلما تنضبط ، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان ، فكم من بلد جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعد خرماً للمروءة)[5].

و لا يقتصر الحكم بخوارم المروءة على العلماء و المحدثين، بل تتعداه إلى الأشخاص العاديين، غير أنها لا تقتضي عقوبة مادية، بل تقتصر على العقوبة المعنوية، حيث يحس من يرتكبها أنه سقط من أعين الناس، فلا تبقى له مكانة عندهم. و تفيض الثقافة المدنية الإسلامية بمثل هذه الأحكام و من ذلك عدم أخذ الحديث عند المحدثين ممن ثبت في حقه شيء من خوارم المروءة، و عدم قبول شهادته في القضاء، و عدم الاعتداد  كلامه الاهتمام و الاحترام و عدم قبوله عند الخطوبة للزواج. أما الأمور التي توصف بأنها من الخوارم فكثيرة، و تختلف باختلاف الأعراف. و من ذلك مثلا الأكل في الطريق ، وكشف الرأس بين الناس ، والمشي حافيا ، و إخراج الأجنحة أو الميازيب التي تضر بالمارة، و أخذ الأرض العامة أو التوسع على حسابها، و الصعود فوق سطوح البيوت التي تخصص للنساء أو المطلة على بيوت الجيران، و الأكل مشيا أمام الناس، و الكلام الكثير، و سماع الغناء، و مضغ العلك. أما بالنسبة للنساء فهناك كذلك أحكام تشترك فيها مع الرجال و أخرى خاصة بها. و من ذلك ظهور شعرها و قلة حرصها على السترة، و كثرة اختلاطها بالرجال والتحدث معهم، و بروزها من البيت و خروجها الملاحظ إلى السوق و بدون حاجة.    

عوامل اضطراب نظام إنتاج القيم 

تعيش الساحة الاجتماعية و الثقافية في الجزائر اضطرابا كبيرا في منظومتها القيمية نتيجة عوامل متعددة و متداخلة، قد يكون أصلها تقهقر الدين في نفوس الناس.  ففي الجملة، يحدث صراع بين القيم الغربية التي حلّت بداية نتيجة الاحتلال الثقافي الفرنسي،  و لكنها استمرت  إلى يومنا و تكرست تحت تأثير العولمة والإعلام المعاصر و عوامل أخرى سنذكرها.

التركة الاستعمارية الفرنسية: فالمشروع الإحيائي أو الإصلاحي الذي تبناه  المجتمع الجزائري بقيادة جمعية العلماء المسلمين نجح في استعادة منظومة القيم الجوهرية  إلى الساحة الاجتماعية و إنقاذ المجتمع من المسخ الكلي، لكنه مع ذلك لم يستطع أن يمنع حالة الازدواجية الثقافية التي لا تزال تصبغ الحياة المدنية، حيث تحوّل المجتمع إثرها إلى حلبة صراع ثقافي بين القيم و القيم المضادة، مما أحل انقساما في المجتمع و استقطابا بين النخبة المفرنسة ذات التوجه “التقدمي”   الذي   يصفه   المناوؤون له  “بالانسلاخي”،   و النخبة المعربة والإسلامية ذات التوجه التأصيلي الذي يصفه المناوؤون له “بالرجعي”.

يمتد هذا الازدواج في الحياة اليومية و يمسّ جميع النواحي المدنية من معاملات و هيئة و سلوك. ففي المجال اللغوي يعتبر الحديث بالفرنسية قيمة ثقافية تفتح الأبواب للمعاملات الإدارية و العلمية و حتى التجارية. فمن لا يحسن اللغة الفرنسية و من لا يلقّم حديثه بالمصطلحات الفرنسية قد  يكون عرضة للحطّ المبطن لدى المستمع و استهجان منه خاصة إذا تحرّى اللغة العربية. و في المقابل فإن الفئة المعرّبة ترى من اللغة الأجنبية بقية من عهد الاستعمار البائد و خيانة ثقافية و انسلاخا فكريا. و قد بلغ حد رد الفعل الاجتماعي إلى استعمال اللغة الفرنسية لمخاطبة الحيوانات و خاصة الكلاب[6].[7].

مفعول العولمة: تستمر هذه الازدواجية إلى يومنا في إطار ما يسمى بالعولمة، التي لا تقتصر على الهيمنة السياسية و الاقتصادية، بل تتعداه إلى تكوين ممنهج للأجيال وفق منظومة القيم الأمريكية بالأساس و التي سبق ذكرها. فقيم الاستهلاك و الانفراد و الإباحية و ازدراء الدين و تمجيد الفكر المادي كلها تسوّق إلى المجتعات المسلمة عن طريق الإعلام و التجارة و التواصل و الاحتكاك المباشر و غيرها من قنوات التأثير. و رغم المقاومة الثقافية التي تبديها المجتمعات الإسلامية و استعصائها على سيطرة العولمة فإنها لم تخرج سالمة من هذه المواجهة. فمن آثار هذه المواجهة الثقافية تبنّي قطاع من الشباب المظاهر الغريبة و الخارجة عن الأعراف مثل اللباس، و الارتباط الجنوني بمجالات الترفيه و الرياضة العالمية (كرة القدم، الغناء)، و عدم الالتزام  بالعبادات و تعاليم الدين مثل الصلاة و الصيام و الحجاب و التمرد على الأعراف.

و لعل مظهر تسريح الشعر الغريبة التي أخذت تتنامى بين الشباب تحت تأثير الإعلام الإشهاري مثال للإفراز الثقافي لهذه القيم التي  تتطلب تحليلا موضوعيا لآليات تأثيرها. فقد يعبّر الشباب عبرها عن تمردهم على المجتمع، أو انتماءهم إلى دائرة ثقافية أخرى، أو تعلقهم بمثل أعلى يكون في الغالب أحد مشاهير الكرة أو الأغنية أو السينما. فتحليل الظاهرة يقودنا إلى القول أنها تجسيد كاريكاتوري لبعض قيم العولمة، المتمثلة في: تكريس الاختلاف والتميز،  و جلب النظر، و التعبير عن التمرد عن التقاليد و العادات و الأعراف المستقرة، ثم التعبير عن الإنتماء إلى العالم المتقدم أو العالم القدوة، و متابعة وتيرة الإنتاج الفني والتكنولوجي.  

و قد يكون الترويج لهذه النماذج ليس بالضرورة عدائيا و إنما لضمان الاستهلاك المستمر للمنتجات التجارية (الدهون الشعرية أو الجِلّ). كما قد تكون كثيرا بدافع تكثير سواد الغثائية في المجتمع، التي لا تبدي أي نوع من المقاومة الثقافية أو رد الفعل. و تكون بذلك  آلة الترويج هي نفسها وسيلة  للترويض الجماهيري وفق القيم الغربية.  

فما نشاهده في حياتنا اليومية من مظاهر الهزال الثقافي و الشذوذ الجنسي و تنصل من الوطنية و خفوت روح المسؤولية، و تفشي الرداءة في المحيط و الأداء ما هو في الغالب إلا إسقاطات للعولمة و عواقب لنجاح التضليل الفكري في الصد عن القيم الجوهرية مثل: العلم، الحياء، التضحية، الجهد، الجمال، الجودة، التعاون.

هذا و من المؤكد أن قيم العولمة ليست كلها شر فهي تحمل أبعادا إيجابية مثل الحرص على الفعالية و التفوق، و النشر المعرفي،  و الاتصال الثقافي، و التواصل الاجتماعي. ففي المجال الاقتصادي تشهد البشرية تحولا من النظام الاقتصادي الصناعي الملوث إلى الاقتصاد المعرفي الذكي. فقد أخذت المؤسسات الغربية تفرز قيما مادية جديدة تجعل من الرأسمال الفكري المحور الأساسي للتنمية  الاقتصادية و ذلك عن طريق  رفع مستوى الذكاء الصناعي و مضاعفة قدرة الابتكار والإبداع و الاهتمام بالتنمية البشرية كأساس.و هكذا فقد برزت قيم تعكس تثمين الخبرة و البديهة و المهارات الفردية  و الجماعية للقيام بمهام عمارة الأرض.

و في مواجهة الأخطار المتنامية و الكوارث التي تهدد الكرة الأرضية، أفرز المجتمع الغربي في ظل العولمة قيما غير مسبوقة في مجال الحفاظ على المحيط و التنوع البيئي و الاستهلاك الراشد للطاقات. هذا في الوقت الذي تعيش فيه البلدان الإسلامية وتيرة استهلاكية غير مسبوقة و تشويها كارثيا للبيئة و المحيط. و لا أدل على ذلك من حالة شوارعنا و محيطنا الطبيعي من تلوث و فساد في الأرض.  

الدولة المركزية  المعاصرة: من خصوصيات الدولة المعاصرة السعي لإيجاد القوة المركزية في مقابل تفتيت الكيانات الأخرى و الوصول بقدر الإمكان بالمجتمع إلى أحاد و أفراد مرتبطين بذلك المركز الأداري السياسي. فالبيروقراطية التي هي أساس التعامل بين الدولة والمجتمع تعتمد على المعاملة الفردية لكل عنصر من عناصر المجتمع، و لا تكترث كثيرا لدوائر الانتماء الأخرى للفرد من جمعيات و نقابات و أحزاب و عروش و هيئات، و ذلك إن لم تكن تعرقل نشأة تلك الدوائر. و في حالة الجزائر خصوصا فقد تأسس مباشرة بعد الاستقلال نظاما لم يستطع التخلص من بقايا الإدارة المركزية التي ولد و تطوّر  في عهد الاحتلال. و لعل ما زاد في تلك المركزية وبالتالي تفتيت المجتمع إلى أفراد أو إضعاف الكيانات الاجتماعية القائمة هو تبني النظام الاشتراكي منذ أول أيام الاستقلال من جهة، ثم الاعتماد  الكلي في الاقتصاد على الريع البترولي و الوظيف العمومي أو فكرة الراتب الفردي.  

من الطبيعي أن ينشأ من ذلك التفتت الاجتماعي انهيارا في “بورصة” القيم،  أو على الأقل تدنيا لها. فالقيم ذات البعد الأفقي التي تربط الأفراد ببعضهم و تشجع على التعاون و التضحية و المراقبة الذاتية و العمل الجاد، قد اضمحلت و تركت المكان لعقلية الانعزال و عدم الاكتراث بالآخرين و العلمانية السلوكية. و في نفس الوقت فقد ارتفعت تلك القيم ذات البعد العمودي التي تسعى إلى ربط الإنسان بالدولة بل و الإذعان لها بل و تأليه رموزها.    

 المنظومة الإنتاجية السلفية و الأعراف

تعتبر الظاهرة السلفية[8] إحدى عوامل اضطراب القيم في المجتمع الجزائري و المجتمعات العربية عموما. فهي من حيث الجوهر لا تختلف كثيرا في القيم الجوهرية للإسلام عن أية حركة إصلاحية أخرى. غير أن منظومة القيم التي تروّج لها تقوم على أساس صحيح و منهجية خاطئة[9]. فهي تقوم على دعوة المجتمع إلى العودة إلى النص في سياقه  التاريخي و المكاني و التفاعل الذي حدث بينهما في الماضي. و بالتالي فقد فشلت في فك الارتباط بين النص من جهة والتاريخ و مكان الوحي من جهة أخرى. و النتيجة الحتمية هي فرض العودة إلى مكان و زمان الوحي، بدافع العودة إلى المصدر الأول للقيم، في حين أن النص الشرعي  (القرءان و السنة) جاء ليكون مستقلا و ليتفاعل مع  واقع المتلقي أينما كان  و يواجه احتمالات المستقبل. فالماضي و مكان الوحي يبقيان مجرّد وسيلة للإفهام، و لا يتحول إلى قالب يحاصر  الحاضر و يملي على المجتمع تلك التفاصيل التي تحتويها كتب السير و التاريخ و الأحداث المذكورة و جغرافية المكان في النص. ، فالعبرة بعموم اللفظ و ليس بخصوص السبب.

ففي سبيل العودة إلى ذلك الماضي و الاستحضار الافتراضي لذلك المكان المقدس، فإنها تأتي على كل شيء قائم من معاملات و مظاهر و نظام مدني سائد، مما يجعلها تشترك بذلك مع التيار الغربي في إرباك المجتمع بإظاهر التميز و “الخروج” الثقافي عليه.

و بما إن اعتناق أي توجه عقائدي ينبثق عنه مباشرة منظومة متكاملة من القيم التي تضبط سلوك الفرد المشبع بها، و تفرز رموزا و شعارات تعبر عنها، فإن الفكر السلفي الذي يؤسس لقيم إسلامية في المجتمعات المعاصرة بصيغة ذلك الماضي المثالي، و المكان المقدس يتمرد على النظام الاجتماعي السائد و يخرج عن الأعراف القائمة حتى و إن كانت لا تخالف الشرع.

و منه فإن الدعوة إلى اللامذهبية ليست إلا جرّا قسريا للمجتمع بأكمله إلى التشكيك في  القيم السائدة و الأعراف المستقرة في سبيل إحلال قيم فرعية جديدة و أعراف أخرى، يكون ثمنها من الرأسمال الاجتماعي الهزيل الذي سيزداد ترديا و تقلصا.  

و عكس رسالة الإسلام التي كانت دوما رحمة للعالمين، فإن المنظومة السلفية قد تتحوّل إلى قوة تدميرية هائلة لوحدة المجتمع بفعل عقيدة التكفير أوّلا، و بردّ الفعل الناشئ عن الظلم العالمي، مثلما تعيشه بعض بلدان الربيع العربي، أو قوة تدميرية ناعمة تتبنى  قيما و معايير تضيّق دائرة الانتماء إلى الفرقة الناجية، و الحكم على الدائرة الأوسع التي يوجد فيها  الآخرون بالدونية أو بالتفسيق أو بالتكفير.            

و قد تتحول إلى قوقعة لفئة منعزلة عندما لا تستطيع إنزال تلك القيم على أرض الواقع أو تتفاعل مع المجتمع المحيط بها،  فتبقى رهينة منطوقها (الدعاء بالتدمير لكل الكفار، و تضليل أو تبديع أو لعن المخالف) و مخيلتها (التلبس بحالة الصحابة وفق ما يصوّره النص) و طموحاتها (التطلع للعيش الافتراضي في كنف تلك النصوص، و السياق التاريخي للمدينة الإسلامية الفاضلة).

القصص القرءاني و القيم الكلية

بديهي أن يشكل الإسلام (قرءان و سنة و حضارة) المصدر الأساسي لإنتاج القيم في المجتمعات المسلمة. فبالإضافة إلى منظومة العبادات المفروضة التي تشكل البنية التحتية للحياة المدنية (حيث تنظم الأوقات اليومية و المناسبات السنوية و الحياة الروحية للفرد المسلم) فإن الأحكام الشرعية (الحلال و الحرام و المستحب و المكروه و المباح) تتحول بفعل الزمن إلى قيم تقاس الأمور و الممارسات بها، و يحكم بصحتها أو خطئها وفقها. فشرب الخمر  أو صيام رمضان في المجتمع الجزائري لم يعدا أحكاما شرعية فقط بل تحولت إلى معايير اجتماعية قاطعة[10].   

و قد يكون يكون التعرض اليومي للمسلم للسرد القرءاني أو قصص الأقوام السابقة، مصدرا  ليس للتندر و تغذية المخيال الشعبي فقط، و إنما لتجذير بعض المعايير البشرية الثابتة و تصنيف النماذج الاجتماعية المتكررة التي تحكم و تملي الممارسات الاجتماعية في مختلف العصور و الأماكن، حتي و إن اتخذت أشكالا غير مسبوقة.  فاستقراء الحالات الاجتماعية المعروضة في القرءان تفيدنا في حصر النماذج الكبرى التي تتمثل فيها البشرية والتي تتحول إلى مصدر تنبثق منها سلسلة القيم الداعمة لها.

     إن تخليد هذه النماذج من خلال النص القرءاني،  قد تكون إيحاء بنمطيتها في الحياة المدنية للمجتمعات البشرية. و بقول آخر فإن  مواضيعها هي نفسها التي تشكل قائمة القيم الجوهرية أو الكلية التي يجب أن يحرص عليها  المجتمع المسلم الذي يتمسك بالقرءان كمرجع ثقافي و اجتماعي. فاستقراء القرءان يقودنا إلى تعداد تلك النماذج و بالتالي القيم  في: وظيفية المال (قارون)، تأطير السلطة السياسية (فرعون)، ضبط المعاملات التجارية (مدين)، تحصين الأخلاق (لوط)، إقامة العبادات (قريش)، و رسالة التعليم (الخضر)، و عمارة الأرض (آدم).

و قد يفيدنا القصص القرءاني كذلك في وضع نظرية للهلاك الاجتماعي  أو خراب العمران بمفهوم ابن خلدون الذي  لا يحل بقوم  إلا بعد أن تستقر تلك  النماذج السلوكية فيه و تصبح قائمة عن طريق القيم العميقة المتجذرة، والسلوك العام و الراسخ لأفراده، و الذي يؤدي لا محالة إلى الانحلال و السقوط.

 و هكذا فقوم لوط يمثلون  حالة الفساد الأخلاقي و انمحاء القيم الفطرية السليمة، و هي الظاهرة التي ظهرت أكثر بعد تمرير قانون زواج المثليين في عدة بلدان أوربية و في أمريكا. أما قصة عاد فإنها توجه إلى الولع بالرفاه و البناء المتين و المصانع و  تحول المسيرة البشرية و التقدم التقني إلى  التشيؤ الحضاري. و لعل قوم ثمود تكون قريبة من هذا النموذج الذي يصاب أهله بالولع بنحت الجبال والقوة المادية و التوجه الاستهلاكي. أما قوم فرعون فإن اختلال الموازين بين الحاكم و الأمة، يؤدي إلى الاستبداد السياسي و الاستضعاف و الاستخفاف و الطاعة المفرطة للحاكم التي تكون حينئذ سببا للهلاك.

  و لعل حال أصحاب الأيكة يعكس نموذج هلاك ذلك المجتمع الذي يعيش على الغش التجاري أساسا بسبب ما ترسخ من قيم خاطئة. فالتطفيف في الميزان و الإخلال بالكيل والوزن عند تحولها إلى قيم متجذرة تكون طريقا إلى الفساد في الأرض و هلاك المجتمع. أما قارون فإنه يمثل نموذج القيم التي يفرزها الطغيان المالي و التكدس الرأسمالي  و تراكمه في يد القلة يخل بوظيفته الاجتماعية والاقتصادية.

أهل مدين: نموذج للاستقراء

تقدم قصة النبي موسى عليه السلام ملفا تفصيليا عن القيم السائدة في أهل مدين من قيم الهرم الاجتماعي الطبقي (استغاثة الذي من شيعته)، و الظلم الاجتماعي (التدافع و تأخر النساء) و الأخلاق العامة (مسألة الاختلاط)، و غياب القانون (الإئتمار على قتل موسى)، و الهجرة و قانون التدافع (توجه تلقاء مدين)، و العمل و مسألة التعاقد، و ارتباط الاقتصاد بالاجتماع (العمل و الزواج في إطار التعاقد)  فالآية تحمل كل هذه القيم:  “و لما ورد ماء  مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، و وجد من دونهم امرأتين تذودان، قال ما خطبكما، قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء و أبونا شيخ كبير. فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، فجاءته إحداهم تمشي على استحياء، قالت إن أبي يدعو ليجزيك أجر ما سقيت لنا”.

 

ففي تنظيم العمران يرتبط اجتماع الناس بالمركز الذي يقضي فيه الناس مصالحهم المشتركة بل و يتدافعون عليها: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (البقرة: من الآية251 ). و هو ما يتطلب تواجد القوة المنظمة و السلطة العامة، و إعمال قيم العدل و المساواة و الحقوق و الواجبات.  

ففي المجتمع المدني يتعايش الفقراء و الأغنياء، و الضعفاء و الأقوياء. و قد تنشأ قيم يصنعها المجتمع و يسير عليها و يذعن لأحكامها بحكم الواقع، و لا تتغير إلا بسلطان خارجي. غير أن البحث المستمر عن التحسن تكون غاية في العمران البشري.  فالبحث عن حل لعدم ترك الناس تتدافع عن الموارد، هو عمل أهل الفكر و الصناعات لجلب الرفاهية و الراحة و التعاون، و تنظيم المجتمع في إطار أحسن. كما أن سن التنظيمات مثل نظام المرور و المخالفات  يعتبر امتدادا لهذه القيم.

و قد يمتد هذا الاستقراء إلى المجال الأدبي و تطوير الخطاب الأدبي و اللغة المتداولة. فالأسلوب اللغوي الجامع المانع الذي يمثله  سؤال النبي موسى الجاد و الغني و كذلك الجواب المختصر  التطبيقي الذي يؤدي الفعل والهمة و حركة التغيير، قد يكون مصدرا للتوجيه التربوي و إرساء قيم الكتابة و الصحافة و الإعلام. ففي العالم الأكاديمي تطور أسلوب علمي متداول يهدف إلى توجيه العلماء و طلبة العلم إلى كيفية صياغة الأفكار و عرضها سواء للنشر أو العرض، لعل أبسطه نظام عرض الشرائح “الباور بوينت” الذي يعني العرض بقوة النقطة  و الكلمات المفتاحية.  

كما أن التخاطب بين الرجال والنساء، ينضبط في جوازه بقيم الحياء و العفة. ففي تفسير ابن كثير عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: جَاءَتْ تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء قَائِلَة بِثَوْبِهَا عَلَى وَجْههَا لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنْ النِّسَاء وَلَّاجَة خَرَّاجَة.

كما تثير قصة أهل مدين مسألة عمل المرأة التي توحي إلى تلك  الضرورة التي أخرجت البنات لعمل ما يقوم به الرجال عادة. فوضعية عمل المرأة في الخارج، قد تتطلب وضع سياسة الاستكفاء و مراعاة الجهد و ظاهرة التدافع و أعباء الأسرة، و قيم تضبط حضور المرأة في مجال الشغل و لواحقه: من الحافلة و المطعم و أقسام الدراسة و غيرها. كما تطرح الآية مسألة تقاسم الأعمال بين الرجال والنساء في إطار التكافل الاجتماعي. فبعض الأعمال التي تتطلب الجهد و الشدة، قد لا تصلح للنساء، والعكس صحيح، حيث قد تنفرد النساء ببعض المجالات الأخرى.  

كما تقدم الآيات نموذجا فريدا لترابط الجوانب المختلفة من الحياة المدنية، حيث تم عقد الزواج بناء على الإيجار الطويل و الدفع المؤخر. و بعكس التقسيم المدني المعاصر بين الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة، كثيرا ما يكون هناك تأثير متبادل بين هذه المجالات، حيث تؤثر بعضها على بعض[11].   

نحو تفعيل للقيم                                                                                                                                                             

إن دولة مثل ماليزيا عندما قررت النهضة، في إطار مشروعها “الإسلام الحضاري” تصلح لأن تكون نموذجا لكيفية تحديد القيم العليا و تحفيز المجتمع للالتزام بها و تفعيلها. فمن مهمام الدولة أن  تكون هي المبادرة في تحديد تلك القيم بعناية فائقة، و تسخير الوسائل لغرسها في نفوس أفراد المجتمع، لتكون مصدرا لتوليد الهمة و الفعالية.

غير أن ذلك لا يعني رفع المهام عن آحاد المجتمع في غرس القيم و تفعيلها. فالمبادرة الفردية كثيرا ما تكون نقطة انطلاق التغيير الاجتماعي، و هو ما كان يقوم به الأنبياء والصالحون و أولو العزم. فالحديث النبوي “من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة، و من سنة سنة سيئة فله وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة”[12]  يقودنا إلى إمكانية حدوث ذلك. و من ذلك العمل على استثمار القيم الاجتماعية مثل الأمانة و الوفاء و التكافل في إنشاء مكاتب لحفظ الودائع، أو بيت لوضع المفقودات، أو صندوق للزواج أو المطلقات و الأرامل.

إن غرس القيم  يقتضي كذلك أن الخطاب الإسلامي يجب أن يتجاوز مرحلة الإصلاح  الفردي عن طريق إلقاء الضوء عن الأبعاد المدنية للأحكام الشرعية، لتتحول الأفعال و الممارسات اليومية إلى عبادات متعدية،  و إبراز دور الدين في كيفية النهوض بالأمة، و تحفيز أفرادها.     

من المؤكد أن الإسلام هو المصدر الأساسي لاستقاء القيم و إنتاجها في المجتمعات المسلمة. غير أن ذلك يتطلب قراءة تجديدية دائمة تتوافق و متطلبات الوقت والمكان. فالاجتهاد في استرجاع مكانة القيم الجوهرية التي ينادي بها الإسلام مثل الصدق والأمانة و التعاون و التكافل والشجاعة و المبادرة و الحياء و العفة يتطلب جهدا كبيرا من قبل النخبة. و يتم ذلك عن طريق الاقتداء من جهة و كذلك  تحديثا في الصور الحضارية المناسبة مع العصر الذي نعيش فيه. 

كما أن اعتماد الإسلام كمصدر للقيم العليا لا يعني الامتناع عن التطلع للمنجزات الحضارية خارج دائرة الإسلام. فإذا كان الإسلام يشكل بنية القيم العليا، فالكثير من القيم الفرعية المستحدثة، يمكن أن تقتبس من خلال ممارسات المجتمعات المتقدمة المعاصرة. فقيم قياس الفعالية (الاقتصاد و الجهد المادي والفكري) و ترشيد السياسة (الانتخاب تحديد مدة الولاية) و التأسيس النظري لقيم الحوار و النقد و قبول الآخر، و الحوكمة (الممارسة الحركية لسلطة الإدارة والسياسة) التي أثمرتها الممارسة الميدانية الغربية لا شك أنها تصلح لمجتمعاتنا التي تفتقد كثيرا لمثل هذه القيم.   



[1] سورة الروم، الآية 30

[2] صحيح البخاري, الجزء 2, كتاب 23, رقم 441

[3] ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”  الحديث أخرجه أحمد في المسند [8729]

[4] فتح المغيث بشرح الفية الحديث للعراقي  أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن السخاوي مكتبة السنة،  1424هـ / 2003م أربعة أجزاء، ج 2، ص 7.

[5]صحيح البخاري, الجزء 2, كتاب 23, رقم 441

[6] لا زالت الكثير من المناطق الداخلية في الجزائر تنادي الكلب باللغة الفرنسية “فيان إيسي”  و تهدده “ألي كوشي”، بل و تسميه باسم الأسماء الإفرنجية من قبيل بوبي و جاك و فينات و ماكس.

[7] في حادثة ذات معنى عميق، يذكر الكاتب أنه عندما كان صغيرا في التعليم الابتدائي مباشرة  بعد الاستقلال، كان يلعب مع صبيان و كان يعلمهم أغنية بالفرنسية في إحدى بيوت القبائل الصغرى بولاية بجاية، فأخذ الأطفال يغنونها و هم يدورون في دائرة. فما لبث أن جاء خال الكاتب مسرعا و مستنكرا، فوبخ الكاتب على أن ذلك العمل مشين في بيت فيه شهداء ولا يجب أن يتكرر، دون أن يضيف شيئا عن ذلك، و لا زالت الحادثة راسخة في ذهن الكاتب.

[8] يقصد هنا بالظاهرة كل أطياف التيار السلفي (السلفية العلمية، السلفية الجهادية، ….) و ليس توجها معينا. و تقتصر المناقشة هنا على موضوع إنتاج القيم و لا يتعداها إلى المسائل الكبرى الأخرى التي تثيرها السلفية.

[9] لا يرمي  القول بخطئها حكما  بضلالها بقدر ما يحاول النص تحليل الظاهرة و تفهمها.

[10]و من العجيب أن  تكون الصلاة دونها وزنا اجتماعيا، و ذلك عكس المجتمعات المشرقية.

[11] و قد أدرك علماء الاقتصاد في الغرب مدى تأثر الفعالية الاقتصادية بالمعطيات الاجتماعية والثقافية مثل المعتقدات و وجود الثقة بين الناس و غيرها من القيم السائدة.

[12] صحيح مسلم: الحديث 4830. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *