مدننا المريضة

د/مصطفى بن حموش

جامعة البليدة

 

sick cities

المدن  مثل الكائنات الحية و هي بذلك تشبه جسم الإنسان. فمركز المدينة يعتبر قلبها، و الساحات العامة و الحدائق الداخلية هي الرئة التي تتنفس عبرها، فيما تكون  البيوت المتراصة و المتشابهة هي بمثابة خلايا النسيج الذي يكوّن باقي الجسم. أما الشوارع فقد كانت و لا تزال تسمى الشرايين. إذ عبرهما تتم الحركة و تضمن السيولة داخل المدينة.

إن هذا المنطق البيولوجي الذي يصدق إلى حد بعيد، يحيلنا إلى متابعة المحاكاة لتشخيص حالات مدننا  و تصنيفها إلى مدن سليمة و مدن سقيمة كما هو حال البشر. فالمدن السليمة هي التي يعيش أهلها حياة هادئة و خالية من المشكلات الصحية و النفسية. بينما تكون المدن السقيمة هي التي يعتور  سكانها الأمراض  و الأزمات.

و كما أن لجسم الإنسان أمراض تصيبه بعد فترة صحة أو منذ ولادته أو في آخر حياته فكذلك المدن. و إذا كانت  ثقافة المجتمع المدني تحصي العدد الكبير من الأمراض الجارية حيث يعرفها عامة الناس.  فتكون أحيانا مرتبطة بمواسم معينة أو بأسباب معروفة، مثل الزكام و المغص المعدي، فإن لأهل الاختصاص في علم المدن كذلك على علم ببعض الأمراض الجارية في المدن .

فالكثير من مدننا مصاب بأمراض الاختناق و قلة التنفس، حيث تزدحم فيها حركة السير و تنبعث من سياراتها الغازات السامة التي تعود بالمرض على أهلها، و منها ما هو مصاب بالاحتقان بسبب ضيق الشرايين و وجود نقاط الاحتباس التي تتطلب عمليات جراحية لفتحها أو تجاوزها. و من المدن ما هو مصاب بضعف القلب الذي لم يعد يقدر على مسايرة تضخم الجسم و ترهّله فلا يكاد يؤدي دوره فأصبح نبضه خافتا. و منه ما أخطر من ذلك و هو انفلات الكلّي لنموها من أية مراقبة، حيث يشبه هذه الحال ذلك السرطان الذي يفقد فيه الجسم أي تحكم في نمو خلايا أعضائه، و هو ما قد تبيّنه الصور الجوية التي تصبح حينئذ بمثابة الأشعة الطبية.  و لعل هذا هو حال معظم مدننا الساحلية  التي أصبحت تنمو بدون أية رقابة على حساب محيطها من سهول و بساتين و أراض زراعية.  

و إذا كانت بعض المخلوقات تشهد نشأة غير طبيعية، حيث تولد دون بعض الأعضاء الأساسية فتحتاج إلى تدخل جراحي كبير لعلاجها مثلما هو حال الكائنات المشوّهة، فإن الكثير من المدن التي نشأت حديثا تحت ضغط الحاجة و هي على حال من التشوه، حيث تتطلب زرع الأعضاء الناقصة. إنه حال المدن التي تصنع من تكدس المباني السكنية المكتظة و تنشأ دون تلك المرافق الأساسية التي تكوّن مركزها الحضري. فالمدينة التي لا يوجد فيها مسجد جامع وسطها أو ساحة أو سوق ثم يضطر القائمون عليها لاستحداث هذه المنشآت في أطرافها بعد سنين، ستعاني من فقدان دائم للتوازن، ومن عاهة مستديمة.  

و من  مدننا ما هو عرضة لأمراض عابرة تتطلب علاجا مؤقتا أو بسيطا. فاستحداث ضوابط تجميلية تضمن التناسق العام و تمنع التنافر المعماري في الألوان و مواد البناء و الأشكال الغريبة التي تشوه صورتها قد تكون الدواء للرداءة التي تحيط بنا. كما أن تكاثر النفايات في شوارع المدينة، ليس إلا انعكاس مباشر لغياب روح المدنية في أفراد المجتمع من جهة، و سوء الإدارة. و هو بالجملة غياب الحس المدني في سكانها و مسؤوليها، و التي ما أن يلتزم أهلها و إدارتها بأدنى قواعد النظافة والمدنية حتى تتحسن حالتها. 

 و قد يكون من الأمراض ما هو باطني أو عقلي. فإذا كان الإنسان عرضة لفقدان الذاكرة حيث يعيش لحظات عمره الحاضرة دون اتصال بماضيه و لا انتمائه، فيقتصر نشاطه الفكري في ضمان العيش و الأكل و يتحول بذلك إلى كائن بيولوجي، فإن المدن كذلك تفقد هويتها و تعاني أحيانا من الانفصام الشخصي بل و تتحول إلى مجرد حيوان تسيره غرائزه. و قد  تتبني شكلا آخر غير الذي كانت عليه في الأصل نتيجة تأثير طبع آخر من المدنية أو تكون ببساطة قد تعرضت للمسخ الخلقي. و لعل هذا هو  حال معظم مدننا التي تعاني من انعدام تام للهوية حيث أصبحت مجرد مراقد أو أماكن للتكدس البشري فلا يرتبط بها أفرادها بأية صلة حميمية أو ذاكرة.

و إذا كان العقل هو لبّ الإنسان فإن الإدارة في المدينة هي ذلك العقل الذي يضمن مصلحتها و حسن تدبير شؤونها. و لذلك فإن سوء التدبير و الإدارة سيكون له الأثر البالغ في المدينة، حيث ستصبح بمثابة          ذلك السفيه أو المجنون الذي تكون تصرفاته خارج نطاق المقعول و منطق الأمور، و هو حال الكثير من مدننا التي يسند أمرها لمن لا يحسن التصرف و يجهل ثقل المسؤولية التي وضعت على عاتقه.  

من المؤكد أن وجود العدد الكبير من الأطباء في المجتمع لا يضمن توفر الصحة العامة. فالصحة العامة هي مسؤولية الجميع فتكون قائمة بقدر ثقافة أفراد ذلك المجتمع و اتباعهم لأسس الأكل الصحي و الاحتياطات العامة.  و كذلك المدن. فالمدينة التي يتوفر سكانها على مستوى عالِ من المدنية تسهل مسؤولية أهل الاختصاص من المخططين و المهندسين فيها، عكس الذين يعيشون في مدن يعاني أهلها من ضعف الحس المدني و تذوق الجمال. لا تنفع كثرة المخططين و لا تعدد القوانين و لا تتابع المخططات في المدن التي يفتقد أهلها إلى ذلك الحس المدني الجامع.    

إن هذه المحاكاة تدفعنا أمام ما نشهده من رداءة محيطنا الحضري و تدهور حالة مدننا  أن نتساءل عما يمكننا فعله لتحسين الوضع. و لعل البداية تكون بإجراء ذلك التشخيص الذي يحدد مصادر الأمراض و أعراضها  قبل  وصف الأدوية و تقرير إجراء العمليات الجراحية. فمن عرف الداء سهل عليه وصف الدواء.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *