عمارة الأرض بين الاستخلاف و الإسراف

د/مصطفى بن حموش

مدير مؤسسة المدينة للدراسات و التنمية

الصورة: عيادة كليفلاند، لاس فيغاس، من تصميم  http://www.dreamstime.com

الكثير منا يعتقد أن العمارة ما هي إلا هندسة أشكال و زخارف و تعابير فنية و من ثم فهي ترفيه و تمتع بالجمال و توسع في المباحات تجعل الإنسان منغمسا في الحياة المادية. غير أن هذه الرؤية تتغير عند الرجوع إلى روح  هذه الكلمة لنجد أنها هي صلب الأمانة الإلهية التي وضعها في يد الإنسان على هذه الأرض.

 

فالاستخلاف الذي يعني تسليم المهمة للإنسان على الأرض ما هو في الواقع إلا  تكليف بواجب التعمير الذي يشمل كل ما يجعل الارض مليئة بالبناء و النبات و الحيوان و الإنسان. و من هذا المنظور فإن العمارة هي أسمى و أكبر واجب ملقى على عاتق الإنسان. و لا يقتصر ذكر هذا الواجب في الإسلام على الجانب الفلسفي أو التصور العام الذي يؤسس لحقيقة الوجود البشري على الأرض و إنما يتعداه إلى الواقع و إلى مجرى الحياة اليومية و تفاصيل المعاش التي تدفع الإنسان لأن ينضبط بتعاليم الإسلام في كل ما يقوم به من أشغال و مهام.

غير أن عمارة الأرض تتعدد بحسب أهمية الشغل المنجز في هرم الحاجات البشرية. و لعل أقرب ما يوضح هذا الترتيب ما وضعه علماء الشريعة للأحكام من تصنيف إلى ضروري و كمالي و تحسيني. و بقول آخر فإن المنشآت و المباني و أشغال البناء لا تعدو أن تكون الصورة العاكسة للمقاصد العامة للشريعة بتريبها المتدرج. فما تعتمد عليه الحياة من صحة و أمن و معيشة و عبادة و تكاثر و تعليم  و الذي يصنف ضمن ما هو ضروري و يستلزم إقامته بكل تأكيد يجعل من المباني التي تحقق هذا المطلب شيئا لازما للتحقيق و أولى من أي مطلب آخر. و قد يدخل في هذا المجال المستشفيات و المأوى  و المساجد و المدارس و وسائل الأمن و الاستقرار و ضمان السلامة من الأخطار الكبرى.

و يأتي تحت هذه المنشآت ما هو أقل ضرورة لكنه مكمل لها  بحيث يقع الحرج في حال غيابه. و قد يدخل الاستجابة لحاجة السكن من سعة و وجود المرافق المكملة للمباني العامة مثل الحمامات و الميضآت في المساجد و الأسواق و  الفنادق و أماكن الاستراحة للمسافرين ضمن هذه الدائرة. كما تكون بعض الخدمات و لواحقها مثل أخذ الاحتياطات من انتشار الأوبئة و الروائح الكريهة و الدخان و جمع النفايات  و توفير التدفئة أو التبريد و غيرها مما يحقق الراحة و يرفع الحرج الكبير في نفس هذا الصنف من العمارة.

أما المستوى الأدنى من العمارة في ظل هذا الترتيب فيتمثل في كل ما يرفع من درجة الراحة و الاستمتاع  من زخرفة و تزيين للواجهات و مراعاة للذوق الجمالي و التناسق الفني و تحقيق سبل الرفاهية. فوجود المقاهي و دور السينما و المنتزهات و الميادين العامة و المحلات التجارية الفاخرة و إقامة المآذن لا يكون ضروريا بقدر ما يضفي على الحياة المدنية مستوى من الرفاهية و المتعة.

قد يكون ما ذكر سابقا أمرا بديهيا يدركه بفطرته  كل من له عقل سليم. غير أن واقعنا يخالف ذلك في الكثير من الأحيان سواء لدى عامة الناس الذين هم  مصدر كل تعمير، أو أصحاب القرار الذين يحققون تلك الحاجات و يتصرفون في شؤون المدينة أو حتى أصحاب المهنة من معماريين و مهندسين و مخططين و كل من له صلة بالعمارة.     

ففي غياب هذا الهيكل التراتبي للحاجات و فقدانه في أذهان  أصحاب القرار و أفراد المجتمع، كثيرا ما تصبح المدينة مجالا  للتصرفات غير الرشيدة ابتداء من أعلى هرم الدولة إلى أسفلها. فالأموال التي ترصد للمصلحة العامة تهدر في حاجات شكلية فيما تبقى الحاجات الأولية مؤجلة أو في قائمة الانتظار و ذلك ما يعكس فقدان الأهلية و روح المسؤولية لدى من بأيديهم زمام الأمور.

أما لدى عامة الناس فقد يكون لغياب الترتيب المذكور في أذهانهم أثر فيما يقومون به في محيطهم و يجدّون في إيجاده. فقد يفرط الكثير في حاجات أساسية فيما يحرصون كل الحرص على تحقيق رغبات و يسعون بذلك نحو التفاصيل التي تأسر أذهانهم القاصرة. و قد يكون ذلك هو أساس الثقافة السائدة في المجتمع حول العمارة. 

لا يقتصر هذا القصور لدى العامة و أصحاب القرار بل يتعداه إلى أصحاب المهنة  أنفسهم. ففي الغالب يتخرج المعماريون و يشرعون في مزاولة مهنتهم  دون إحاطة بهذا الترتيب و بدافع محض من الولع بالفن و الإبداع أو لمجرد التجارة و الترويج. فالكثير منهم يكون على دراية بالطرز المعمارية و العناصر الهندسية التي لا تعدو أن تكون من المستوى الأدنى، فيما لا يعيرون أهمية لحاجة الناس من ضروريات. و قد يكون هذا القصور الفكري ثمرة المنظومة التعليمية التي نشأ فيها و تلقى  فيها قيمه و مهاراته  و التي صنعت شخصيته و بنت  حياته المهنية و التي جعلت منه  مجرد آلة لتحقيق أحلام و رغبات الآخرين و الاستزادة في الترفيه و الاستمتاع.     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *