لماذا ندرس التاريخ؟

د/ مصطفى بن حموش

History

هل تساءلت يوما لماذا ندرس التاريخ؟ و  عن سبب إصرار الكبار الذين وضعوا برامج التعليم في فرضه كمادة إلزامية علينا حتى و إن كان منا من لم يكن يحبه؟ و هل ترى  أن التاريخ كمادة علمية ذو أهمية أقل من المواد العلمية الأخرى؟ فهناك بالتأكيد من ينجذب  للتاريخ لإعجابهم بالأحداث السابقة و ولعهم بما مضى. لكنه في المقابل هناك آخرون يتساءلوان عن فائدة ذلك العناء الذهني الذي يتحمله الإنسان من حفظ التواريخ و تسلسل الأحداث و معرفة أحوال الناس في الماضي في الوقت الذي لا يترك لنا حاضرنا و مستقبلنا فرصة للانشغال بغيره من الأزمان.

 

قد لا تكون مثل  باقي الناس الذين يعيشون حياتهم اليومية و يهتمون بحاضرهم، و يفكرون دوما في المستقبل و يقلقون بشأنه لأنهم لا يدرون ما يحمل من مفاجآت. هؤلاء الذين يرون أن التاريخ هو ذلك الماضي الذي لن يعود. و أهميته لا ترتقي بأي حال إلى حضوة الحاضر و ضغوطاته، أو المستقبل و القلق الذي يحمله لنا بسبب توقعاتنا لما سيسفر عنه.

و قد  يزداد هذا التساؤل عندما نضع التاريخ أمام العلوم الأخرى التي تؤتي ثمرتها في حياة الناس مباشرة. فالمؤرخون لا يقومون بعمليات جراحية، و لا  صناعة السيارات و لا تحسين الظروف الأمنية في البلاد. وبقول آخر فإن أثر التاريخ في حياة الناس غير أكيد  إذا ما وضع أمام  الهندسة أو الطب أو القانون. و قد يتساهل قائل آخر فيقول أن التاريخ مفيد، لكن منتجاته غير  ملموسة، وأحيانا  بطيئة حيث لا تظهر كما هو حال المعارف الأخرى.

ما يزيد في إلحاح السؤال هو  تقهقر مكانة المؤرخ في المجتمع. فقد كان في القديم يحضى بمكانة خاصة عند الناس و في سلم المعارف الإنسانية، فقد كان الناس يفرقون بين المثقف و غيره بمدى التبحر في علم التاريخ، و كانت الحقائق التاريخية تستعمل كجهاز فحص معرفي لانتقاء الأشخاص، و هو ما قد يكون يدفع المجتمعات إلى تشجيع الحفظ الغيبي و الاستعمال الآلي للذاكرة  و تناقل الأخبار و الاجتهاد في دقتها. أما في زماننا فلم يعد التاريخ و لا المعلومات التاريخية بالقيمة التي كانت عليها سابقا.

كل هذه الأسئلة تطالبنا بتقديم التبرير المقنع لضرورة الاهتمام بالتاريخ و إيجاد المكانة المناسبة له في حياتنا.  

التاريخ كمختبر بشري 

في أبسط أشكاله، يمكن اعتبار التاريخ مخزنا للمعلومات حول كيفية تصرف الناس والمجتمعات في الماضي. فرغم وجود العديد من شُعب العلوم و المعارف التي تحاول فهم سلوك المجتمعات و تفسيرها مثل علوم الاجتماع و الأنثروبولوجيا و علم النفس الاجتماعي، فإننا  نجد الصعوبة الكبيرة في تفسيرها. أما الاعتماد القاصر على الوضع الحالي في التفسير فسيكون لا محالة مآله الفشل و تبدد الجهود. فنحن لا يمكننا أن نقيم نتائج الحرب إذا كان الناس كلهم في سلام و إذا لم نستعرض ما حدث في السابق. كما لا يمكننا بحال إدراك  قيمة العبقرية  وتأثير الابتكار التكنولوجي أو المعتقدات و الدين في حياتنا المدنية و الخاصة إذا لم نستعرض تجارب الماضي. قد يقول قائل إن علماء الاجتماع يحاولون  صياغة قوانين و نظريات حول سلوك الإنسان. فالجواب أن هذا العمل لا يمكنه أن يقوم إلا بالعودة إلى المعلومات التاريخية و السوابق الاجتماعية. وبناء على ذلك، فإن التاريخ هو المختبر البشري الذي تجمع فيه و تصنف المعلومات و البيانات التي تتحول إلى أدلة أكثر حيوية في السعي لمعرفة سبب تصرف اجتماعي معين أو وضع سلوكي معقد في مجتمعنا. إن التاريخ يقدم وسائل إثبات للملاحظة و التأمل و تحليل كيفية عيش مجتمعات و إدارة حياتها اليومية بالطريقة التي نشاهدها فيها.

في محاولتنا  فهم التغير و تفسير الحاضر كثيرا ما يقف الماضي وراء الحاضر بل و كذلك المستقبل. إذا أردنا تفسير ما يحدث في مجتمع ما كثيرا ما نجد  أنفسنا نبحث في الماضي عن العوامل التي دفعت إلى تلك الحالة. فالتاريخ يقدم إلى حد كبير ما يكفي لشرح التطور أو التغير الذي حدث في مجتمع معين، و نحن دائما بحاجة الى النظر الى الوراء للتعرف على أسباب التغير. لا يمكن فهم كيفية تغير الأمور  و معرفة العوامل التي تتسبب في ذلك التغير إلا من خلال دراسة التاريخ. و إذا كان التغيير هو أحد مواضيع التاريخ، فإن الثبات لا يقل عنه أهمية. فمن خلال التاريخ كذلك -و لكن هذه المرة- فقط من خلال التاريخ يمكننا أن نفهم ما هي العناصر  المؤسِّسة للمجتمع التي لا تزال قائمة عبر الزمان على الرغم من التغيير.

التاريخ في حياتنا العامة 

لعل إحدى أجزاء التاريخ هو قصص الماضي  و سير العظماء. فالكثير من الناس يلجأون و ينجذبون إليها بدافع الترفيه. فكثيرا ما تصبح هذه القصص مادة للأعمال الفنية. لكن ما تحمله هذه القصص من عبر يجعل من التاريخ مخزنا للقيم و الأخلاق الإنسانية العليا. فسيرة العظماء و إنجازاتهم تعكس التجربة الإنسانية في أزمان وأماكن معينة، قد تتحول إلى مصدر إلهام للغير لشق طريق حياتهم الجديدة في ضوء تجربة الأجيال الماضية. فالتاريخ يوفر أرضية لغرس القيم و زرع الأخلاق. فالأحداث التاريخية التي تعكس الظروف الصعبة التي مر بها مجتمع و استطاع تجاوزها ستكون للأجيال التي تأتي بعده معلما لكيفية مواجهة الواقع و منجما لمعاني الشجاعة و اليقظة و الهمة العالية و المثابرة و الاحتجاج و عدم الركون. و قد يكون إدراك الحظ العاثر لمجتمع ما كذلك من خلال فحص سيرته الماضية، و فقدان تلك القيم المطلوبة لتجاوز المحن و الظروف الصعبة.

التاريخ مصدر الهوية و المواطنة

التاريخ كذلك مخزن لمكونات الهوية. إنه مفتاح فهم التركيبة الثقافية و الاجتماعية للمجتمع. فما يدفع الدول الحديثة لتدريسه بشكل أو بآخر بدرجة كبيرة هو المحافظة على الهوية. فالبيانات التاريخية تشمل الأدلة حول كيفية تكون و تطور الأسر والجماعات والمؤسسات والدول و  الاحتفاظ بتماسكها في أوقات الشدة و الرخاء. فالتاريخ يوفر حقائق عن علم الأنساب و خصوصيات الأعراق و سماتها الشخصية و مكونات المجتمع. فتعريف الأعراق و الأسر بحاضرها لا يكفي و يكاد يكون مختزلا إذا لم يذهب إلى أبعد من ذلك في غور الماضي. لا نستبعد أن يوظف هذا البعد التاريخي كذلك بطريقة غير سليمة في سبيل شحذ انتماء طائفي أو عرقي. أما على المستوى الوطني فالتاريخ القومي يكون عبارة عن ذاكرة جماعية و قصة وطنية يعرفها الجميع. فالمواطن الذي يعرف تاريخ بلاده يكون أكثر التزاما و ولاء لوطنه  و اعتزازا بهويته.

دراسة التاريخ كذلك مهم لتأسيس المواطنة و العيش الجماعي أو المدني. فهو يقدم البيانات لكيفية قيام المؤسسات و الأوطان و القيم السائدة في المجتمع. و هو يقدم كذلك كيفية تفاعل المجتمع مع أطيافه  و مع المجتمعات الأخرى المجاورة و البعيدة. كما يدل الأفراد كذلك على ما يؤثر سلبا أو إيجابا على المجتمع في الحاضر، و يضع اليد على مفاصل ذلك المجتمع و مصادر قوته أو ضعفه.

التاريخ و مهارات الأفراد

يقدم التاريخ لأفراد المجتمع  مادة لبناء القدرات و تنمية المهارات. فهو يهدي إلى كيفية تقييم الظواهر و معالجة الأحداث. فهو يعلم كيفية فهم  تصريحات القادة السياسيين السابقين بل و التفريق بين من يخدم المصلحة العامة و من يخدم الأغراض الذاتية. كما تساعده على كيفية الجمع بين الأدلة المختلفة و المتضاربة أحيانا و الجمع بين المصادر المتنوعة مثل الجرائد و الصور و السجلات و غيرها من البيانات  و بناء الحجج و الاقتناعات حول المسائل المشتركة. كما يقدم التاريخ للدارس كيفية فرز العوامل المؤثرة في التغيير حيث يفرق بين الأساسي والثانوي. و هذا بالجملة يساعده على التعامل الأمثل مع الواقع الحاضر.

إن التاريخ كذلك فن  جمع البيانات من مصادرها قبل تحليلها و تركيبها وفق منطق عملي معين. إنها تلك الحقائق الماضية حول القوى و الدوافع التي أثرت في الواقع و شكلته. فالتاريخ لا ينحصر على الأحداث العامة و السياسية و إنما يمتد كذلك إلى  التاريخ الجزئي للمؤسسات الاقتصادية و الثقافية و غيرها. فالتاريخ من هذه الوجهة علم  تطبيقي لمن يستطيع أن يستغله في التغيير و التطوير. فهو مفيد لمعرفة سوابق مؤسسة ما و تصحيح مسارها إذا أمكن استغلال ماضيها. و قد تأتي هذه الحقائق من مصادر أجنبية أو وطنية طالما أنها تجربة إنسانية أو تحمل أوجه شبه و قرائن قريبة.

و لعل أقوى دوافع دراسة التاريخ هو تلك النظريات التي تقوم على إمكانية استغلال و توظيف التاريخ لاستخراج القواعد التي تصلح للإنسان و المجتمع خارج نطاق الزمان و المكان. فمثلما يشترك البشر في بعض العوائد و السلوك العام فإن هناك مبادئ و أسس في حياة الإنسان تبقى ثابتة و مشتركة بين الناس بغض النظر عن أماكنهم و أزمنتهم و ذلك في مقابل الأشياء المتغيرة مثل الظروف المحيطة و المكان و الإمكانات  و العوائق و غيرها.

ملاحظة: جاءت فكرة المقال بمناسبة تدشين مقرر جامعي في جامعة البليدة لطلاب الماستر في الهندسة المعماري، بعنوان “العمارة بشمال إفريقيا قبل فترة الاحتلال الفرنسي”. بعض أفكار هذا المقال مستمد من قراءة أعمال أدبية أخرى، أذكر منها:

Amos Rapoport  History and Precedent in Environmental Design

Peter N. Stearns  Why Study History

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *