مشاريع الإسكان الضخمة: لم لا تكون مدنا جديدة؟

د/مصطفى بن حموش

 

المصدر: http://www.cherwell.gov.uk/media/image/j/p/WHOLE_OF_BICESTER_copy.jpg 

تكاد تكون مشكلة الإسكان  إحدى أركان الأزمة التي تعاني منها سائر البلدان العربية والتي ساهمت في  الانفجار الاجتماعي أو ما سمي بالربيع العربي. و لعل المسارعة بالإعلان عن المشاريع الإسكانية الضخمة من الوزراء الجدد هو إحدى سمات الذعر الذي تصاب به الحكومات تجاه هذه المعضلة.  و سواء كانت هذه البرامج واقعية تراعي قدرات البلدان في التحقيق و الإنجاز أو وهمية هدفها امتصاص الغضب و تقديم الوعود فإن تلك البرامج تحتاج في حال تحقيقها إلى إعادة نظر لما ستؤول إليه حالة مدننا في المستقبل من تكديس إسمنتي و تمدد سرطاني  و رداءة حضرية.

 

إن الحلول المقترحة للإسكان ما هي في الواقع إلا  فرع عن تصورها المختزل في كمية الطلبات. فقد صممت السياسة الإسكانية و الأجهزة الإدارية و وضعت تكنولوجيا البناء لكي تستجيب للمطلب العددي. فكثيرا ما تتحول  قوائم الطلبات إلى برامج سكنية تتمثل في عدد الوحدات السكنية التي يجب إنجازها خلال البرامج الخماسية أو الرباعية أو السنوية، و هو ما يصدق على برنامج الحكومة الجديدة بالجزائر حول الوعد بالشروع في بناء 150.000 وحدة سكنية خلال السنة.

فتوفير هذا العدد من السكنات بفرض تحقيقه  سيؤدي بالضرورة إلى تمديد المدن و القرى القائمة و الاعتماد على شبكاتها الحضرية و خدماتها و مرافقها القائمة، و هو ما يؤدي بالضرورة إلى ما يسمى بترهل  المدن القائمة. فالكثير من هذه المدن التي صممت خدماتها و مرافقها لعدد معيّن من السكان تجد نفسها قد حملت أضعاف قدرتها  مثلما يحدث في الجزائر العاصمة مما ينقلب إلى رداءة في نوعية الحياة المدنية بها.

إن عددا ضخما للوحدات السكنية لا يكفي تجسيده في مجرد عمارات متجاورة، فبكل تأكيد أنها ستحتاج إلى خدمات و مرافق جديدة تكون مكملة لها لتكون الحياة فيها مقبولة، و هو ما يتطلب إنشاء مدن جديدة، و هو ما يحيلنا إلى الاستفادة من تجربة إنشاء المدن الجديدة سواء في الماضي أو الحاضر. ففي صدر الحضارة الإسلامية  شهدت البلاد المفتوحة حديثا حركة إنشاء سلسلة مدن جديدة مثل الكوفة و البصرة ثم الفسطاط ثم القيروان، بينما قامت خلال فترة سقوط الأندلس عدة مدن شمال إفريقيا لاستقبال المهاجرين.

أما في عصرنا فقد كان اكتظاظ المدن الصناعية الكبرى في بريطانيا و في فرنسا و البلدان الأوربية بدافع الضغط الديمغرافي و هجرة سكان الريف دافعا لإنشاء مدن جديدة. فقد شهدت لندن عاصمة الثورة الصناعية آنذاك ميلاد سلسلة من المدن الجديدة حولها، فيما شهدت باريس بعد ذلك بحوالي قرن نفس الإجراء، حيث  أسست حلقة من حوالي عشر مدن جديدة في ضواحيها القاصية بقصد تخفيف الضغط على العاصمة و جذب العمران نحو الأقاليم الداخلية.

لم تنشأ المدن الجديدة في بريطانيا دفعة واحدة و إنما كانت على فترات متباعدة عكست مراحل نضج التجربة. ففي الجيل الأول من المدن كان اختيار المواقع يقع على أماكن بكر لم يسبقها أي عمران، مما جعل العملية مكلفة و عسيرة. فقد كان على السلطات أن تبني عددا كبيرا من الوحدات السكنية و تنشئ شبكة الطرقات و توفر الخدمات و المرافق الأساسية. هذا فيما ظهرت بعد ذلك مؤاخذات عن بناء المدن في أماكن لا تاريخ و لا ذاكرة لها، و ذلك بالإضافة إلى فقدان العلاقات الاجتماعية بين السكان كونهم كلهم غرباء عن بعضهم. أما الجيل الثاني فقد تقرر الاعتماد على تنمية قرى صغيرة قائمة لتكون نواة المدينة الجديدة، و ذلك بعد اختيارها استجابة لمنطق التوزيع العمراني الإقليمي. و في الجيل الثالث وجد أن المدن ليست للإسكان فقط و إنما هي محركات اقتصادية يجب أن تتوفر فيها المصانع و أماكن العمل لتثبيت الناس و عدم دفعهم على التنقل اليومي إلى المدن القديمة القائمة. و أصبح بذلك الاستثمار في مختلف الصناعات في المدن الجديدة قضية أساسية إلى جانب بناء السكنات. أما خلال السنوات الأخيرة فقد أضيف للمدن الجديدة بعد آخر هو البعد البيئي حيث تقرر في بريطانيا بناء مدن نظيفة و ذكية ينعدم فيها انبعاث الكربون.

و بما أن حجم المدن كان هاجسا كبيرا للإدارة الحضرية إذ أن الكثير من المدن أصبحت خارج نطاق التحكم فقد كان  عدد الوحدات السكنية و السكان موضوعا مهما في سياسة المدن الجديدة.  حوالي 5000 سكن و هو  ما يعادل 20.000 إلى 25000 ساكن، مما يجعل العلاقات بين السكان ممكنة و يتيح للإدارة التحكم في حجم تلك المدن.

إن وضع برنامج سكني مؤسس على عدد الوحدات السكنية كما هو مشاهد له سلبيات كبيرة أقلها نشأة العمران الطفيلي الذي يجعل من السكان الجدد عالة على الخدمات  القائمة مثل المدارس و المستشفيات و الخدمات الأخرى. فبناء بيئة متكاملة فيها السكن و كل الخدمات و المرافق الأخرى سيعطي الفرصة لإيجاد بيئة مناسبة بالإضافة إلى امتصاص الطلبات. إن المدن الجديدة في بلادنا ستكون بكل تأكيد البديل الأسلم لسياسة الإسكان القائمة و التي بدونها سيكون هناك توسع عمراني منفلت عن أي تخطيط أو سيطرة. فهي ستنقذ المدن القائمة من الترهل، و ستوقف أو تقلل التمدد العمراني الزيتي للمدن الكبرى التي فقدت الإدارة التحكم فيها. كما ستمكن من سحب العمران نحو المناطق الداخلية المحرومة أو المناطق الخالية و تحفظ المناطق الزراعية الخصبة التي أصبحت فريسة لذلك التمدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *