اتجاه القبلة: بين غوغل و ابن تيمية

(النص الكامل للمقال الذي نشر في الشروق يوم 27/9/2012)

د/مصطفى بن حموش

من البديهي أن على المسلم أن يتحرى الدقة في عبادته و أن يحدد القبلة حتى تكون صلاته صحيحة.  و لعل هذا أوكد عند الشروع في بناء مساجد جديدة، حيث على البنائين و المعماريين أن يستعملوا الوسائل الممكنة لتحقيق تلك الدقة. لكنه في المقابل ماذا يمكن العمل إذا كانت هناك الكثير من المساجد العتيقة ليست بالدقة الهندسية المتاحة ؟ و ما حكم الصلاة في تلك المساجد مع العلم بانحرافها؟ لقد ظهرت آلات تحديد الاتجاه مثل البوصلة و نظام تحديد المواقع التي يمكن أن تعطي الاتجاه بدقة عالية يكون الخطأ فيها يسير جدا مما يساعد المسلم أينما كان و في أي وقت و حال أن يدرك اتجاه القبلة.

لا يحتاج الإنسان أن يكون خبيرا في القبلة ليحدد اتجاه المسجد الحرام كما طلعت به علينا الشروق بتاريخ 24/9/2012 في تقديمها لأحد الفضلاء. فببحث سريع على محرك غوغل سنجد أن الكثير من المساجد المشهورة مثل جامع الزيتونة و مسجد السلطان أحمد أو المسجد الأزرق و مسجد عقبة بن نافع و الجامع الي الاتجاه  كبير بالجزائر بل و حتى المسجد الأقصى يتراوح فيها الخطأ ما بين 10 درجات و 45 درجة! و من المؤكد أن طرح ذلك سيكون مصدر خلاف بين مصلّيي المسجد الواحد و منبع تصرفات استثنائية  ممن يحرص على ذلك التدقيق بدافع التديّن الأعمى أو بمجرد دوافع الظهور في الساحة.

لقد كان أول اهتمام المسلمين عند فتح الأمصار و المدن و بناء المساجد فيها هو تحديد القبلة. و لذلك فقد تطورت وسائل التحديد الجغرافي للمواقع بل و علوم الفلك والهندسة نتيجة لهذه الحاجة.  و قد اهتدى الكثير من علماء الهيئة أو الفلك السابقين إلى وضع قواعد تعرف بها القبلة لمن هو بعيد عنها. و من هؤلاء العلماء  الفارسي نصر الدين أبو جعفر محمد الطوسي (1201-1274 م) الذي تحدث عن المسألة في كتابه تذكرة الناصرية في علم الهيئة. و لعل أسهل و أنجع وسيلة لمعرفة اتجاه القبلة كان عن طريق تحديد الأيام التي تتعامد فيها الشمس على الكعبة فلا يكون فيها أي ظل و هي أيام 28 مايو على الساعة 9 و 18 د و 15 يوليو/ جويلية على الساعة 9 و 27 د. و هكذا فكل من يريد بناء مسجد و أن يتحقق من الاتجاه الدقيق للقبلة كان عليه أن ينتظر هذين اليومين ليضبطها.

إن المسألة ليست هندسية صرفة بقدر ما هي كذلك مسألة فقهية و عبادة توقيفية. و قد طرح الفقهاء قديما مسألة القبلة خاصة لسكان الأمصار البعيدة عن الحرم. فقد كان السؤال الجوهري عن التوجه إلى القبلة هو: هل المطلوب هو عين الكعبة أم هو سُمتها و اتجاهها.  فالفقيه المالكي القرافي في كتابه “أنوار البروق في أنواع الفروق” ذهب إلى أن المسلم الساكن بعيدا عن الحرم غير مطالب بعين الكعبة لأن ذلك يكون غير ممكن و تكلفا خارج طاقته. و قد استدل هو و غيره عن ذلك بأدلة نقلية و عقلية. فأما رأس الأدلة النقلية فهو مفهوم الآية القرءانية التي تلزمنا بالتوجه شطر المسجد الحرام بوجوهنا مما يوحي بعدم لزوم الدقة الهندسية. فمفردات الآية  “فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام” التي تحث على  توجيه “الوجه”  “شطر” المسجد يحمل معنى التوسعة من جانبين، الأول هو معنى الشطر و هو النصف من الشيء و كذلك ناحيته و جهته و ليس عينه، و الثاني مخاطبة المصلي بتوجيه وجهه نحو المسجد الحرام. فالمسلم بهذا المعنى يكون مستقبلا القبلة ما لم يغادر وجهه ناحية الحرم، مما سيكون فيه سعة كبيرة تقدر بسعة الوجه الذي يعرفه الفقهاء بما بين الأذنين.

أما الدليل النقلي الثاني فهو ما جاء في حديث أبي هريرة “ما بين المشرق والمغرب قبلة”. فالخطاب النبوي الموجه لأهل المدينة المنورة التي تقع ما بين مكة و بيت المقدس وصف لهم القبلة بأنها تلك الزاوية المنفرجة التي تنحصر ما بين المشرق و المغرب. فعندما يكون ساكن المدينة  المنورة مستقبل اليمن و مستدبرالشام – و ذلك يعني أن القبلة زاوية منفرجة واسعة تنطلق من مكان القائم للصلاة بقدر ما يفتح ذارعيه، عكس ما يعتقد أنه سهم ينطلق من ذلك المكان ليخترق الكعبة- فإن ذلك هو كله قبلة.

أما الدليل العقلي القاطع الذي ساقه الفقهاء لهذا الرأي فهو  احتمال الصف الطويل الذي يكون أضعاف عرض الكعبة الذي لا يزيد أكبر أضلاعها عن 13 م. فإذا كان هذا الصف المستقيم مثلما هو حال المساجد الكبرى بعيدا عن  المسجد الحرام يتجاوز عرض الكعبة فإن كثيرا ممن في الصف  لن يوفقوا في توجيه سهامهم نحو عين الكعبة، إذ  أن الخطوط السهمية المتوازية التي تنطلق من هؤلاء المصلّين نحوها تكون مجانبة لجسم الكعبة. و لن تكون الصلاة بذلك صحيحة إلا من كان وراء الإمام و من يليه خلفه مباشرة ضمن مجال عرض الكعبة.  و بذلك يكون عدد من تصح صلاتهم وفق هذا الرأي الهندسي الدقيق لا يزيد عن  26 رجلا و الباقي كلهم على خطأ و هذا مستحيل.

و يستدل القرافي عن ذلك بما يعرف في عصرنا برسم المنظور Perspective. فبسبب البعد تكون الكعبة في شكل نقطة هروب يعتبر كل من يتجه إليها أنه صوبها حتى و لو كان العدد كبيرا، و كلما اقترب ذلك العدد الكبير من الكعبة تطلّب أن يكون الصف مقوسا ليحيط بها و يقابلها الحاضرون و هو ما يحصل فعلا عند الصلاة في صحن الحرم. و لعل هذا الرأي هو نفس ما يقول به المفسر الأندلسي إبن العربي حين يقول أن أضيق ما تكون القبلة عند معاينة القبلة. و من الطريف أن نجد ذلك التقوس على مستوى القارات يتحقق بتقوس مواقع المدن حول مركز واحد هو الكعبة حيث سيكون لكل مدينة أو مصر زاوية خاصة بها للاتجاه نحو الحرم.

و لعل أهم ما يستعصي على الطريقة الهندسية في عصرنا هو كيفية توجه أهل نصف الكرة الأرضية التي لا تقع فيها الكعبة مثل الأمريكيتين أو القطبين، بعدما ثبتت فرضية كروية الأرض و تفلطحها لمن كان يعتقد، أو لا يزال يعتقد! أنها مستوية.  فبعيدا عن دقة الهندسة المسطحة، وضع الفقهاء تصورا طريفا مقتضاه افتراض وجود مئذنة عالية أو محور عمودي ينطلق من الكعبة نحو السماء يكون هو المؤشر لوجهة القبلة. فالخط المستقيم الذي يصل مكان الصلاة بذلك المحور سيكون له إسقاط على جسم الكرة الأرضية في شكل منحنى يربط ذلك المكان بالكعبة الشريفة. و لعل هذه الطريقة تكون الأسلم بدل رسم الخط على خريطة الأرض المسطحة المتداولة التي كثيرا ما تحرف حقيقة أشكال القارات و سطح الكرة الأرضية.

إن ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم ضرورة التقيد بالتوجه إلى عين الكعبة و توسيع مجالها سيرفع الكثير من الحرج على المصلين و يغلق الباب أمام الكثير من التنازع الذي قد يحدث بين أصحاب المسجد الواحد، و  سيكون بالتأكيد المخرج الوحيد لهذه المسألة و غلق باب التشكيك الذي قد يعطل الجوامع و يعكر العبادات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *