توسيع المسجد: متى يكون غصبا؟

توسيع المسجد: متى يكون غصبا؟

د/مصطفى بن حموش

msjd_mandatory

جاء في كتاب “وفاء الوفاء بأخبار  دار المصطفى” لصاحبه نور الدين السمهودي (ت: 911 هـ) قصة طريفة حول توسعة المسجد النبوي في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (ض). فبعد أن كثر سكان المدينة المنورة و ضاق المسجد النبوي رأى  الخليفة ضرورة توسعته مما دفعه إلى البحث عن الوعاء العقاري المناسب لذلك. و قد وجد ضالته فيما حول المسجد من دور الصحابة بما في ذلك دار العباس بن عبد المطلب و حُجر أمهات المؤمنين. و قد دار حوار مثير بين العباس عم النبي (ص) و الخليفة الثاني فيه درس لكل مهتم بالعمارة الإسلامية أو بناء المساجد،  يحمل العديد من  الإشارات المفيدة التي تصلح لأن تكون قواعد في هذا الشأن.

قال عمر بن الخطاب للعباس: يا أبا الفضل، إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم و قد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك و حجرات أمهات المؤمنين، فأما حجرات أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها،  و أما دارك فبعنهيا بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم، فقال العباس: ما كنت لأفعل، قال: فقال له عمر: اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت المال، و إما أن أخطّك  حيث شئت من المدينة و أبنيها لك من بيت مال المسليمن، و إما أن تصّدّق بها على المسلمين فتوسع في مسجدهم، فقال: لا،  ولا واحدة منها. فقال عمر: اجعل بيني و بينك من شئت، فقال: أبيّ بن كعب ، فانطلقا إلى أبيّ فقصّا عليه  القصة، فقال إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: إن ألله أوحى إلى داود أن ابنِ لي بيتا أَذكر فيه، فخط له هذه الخطة خطة بيت المقدس، فإذا تربيعها بزاوية بيت رجل من بني إسرائيل ، فسأله داود أن يبيعه إياها، فأبى، فحدّث داود نفسه أن يأخذه منه، فأوحى  الله إليه،: أن يا داود امرتك أن تبني لي بيتا أذكر  فيه ، فأردت أن تدخل في بيتي الغصب، و ليس من شأني الغصب، و إن عقوبتك أن لا تبنيه، قال يا رب فمن ولدي، قال: فمن ولدك، فأخذ عمر بمجامع أبيّ بن كعب فقال: جئتك بشيء فجئت ما هو أشد منه، لتخرجن ممّا قلت، فجاء يقوده حتى دخل المسجد، فاوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم أبو ذرّ، فقال أبيّ: نشدت الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر حديث  بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره، فقال أبوذر أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلّم، و قال آخر: أنا سمعته، يعني من رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال:  فأرسل أبيّا، قال : فأقبل أبي على عمر فقال : يا عمر أتتّهمني على حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم؟  فقال عمر: و الله يا أبا  المنذر  ما اتهمتك عليه، و لكن  أردت أن  يكون الحديث  عن رسول الله صلى الله عليه و سلم  ظاهرا، قال: و قال عمر للعباس : اذهب  فلا أعرض لك  في دارك، فقال العباس: أما إذ قلت  ذلك فإني قد تصدّقت بها  على المسلمين أوسع عليهم في مسجدهم، فأما و أنت تخاصمني فلا، فخطّ له عمر داره التي هي اليوم، وبناها من بيت مال المسلمين. (ج 1- ص 482-483، دار إحياء التراث العربي).

فتوسعة المسجد الذي يضيق بالمصلين تعطي الحق للحاكم أو المسؤول للبحث عن سبل للتوسعة التي كثيرا ما تكون على حساب العقارات المحيطة بها كالمباني السكنية و المحالات التجارية. و كثيرا ما تكون العملية مسألة شائكة تتأرجح بين المصلحة العامة و حفظ حقوق الأفراد. فالتصرّف لتحقيق المصلحة العامة لا تخوّل الحاكم  أو المسؤول نزع الأملاك الخاصة أو تملكها إلا برضا أهلها. فالشرع لا يجيز الاستملاك بدون رضا المالك  حتى و إن كان هناك تعويض عادل. و في المقابل فإن تعدد المساجد خاصة الجوامع التي تقام فيها خطب الجمعة هي محل تحفظ شديد لدى الفقهاء، حيث يرفض الكثير منهم ذلك لما يؤدي إليه من  تفرق الصفوف و تعدد المنابر.

أما آليات التعويض التي تطرحها الحادثة فهي أن يخيّر صاحب الملكية المستملكة بعد الرضا بين أن يأخذ مقابلها مالا بقيمتها في السوق، أو عقارا آخرا بدلها،  أو تقدم له يد المعونة لإقامة بناء جديد. هذا مع أن الملاّك الذين يجدون أنفسهم في منطقة توسعة المساجد كثيرا ما يتنازلون عن ملكياتهم للمصلحة العامة بدافع الوازع الديني و رغبة في الحصول على أجر الصدقة الجارية.

كما تقدم الحادثة طرفا ثالثا في العملية يكون في الغالب جهة قضائية أو وسيطة. فدور القضاء تشخيص تلك المصلحة و التحقق من الحاجة العامة للتوسعة، إذ أن البعض من تصرفات الحكام و المسؤولين قد لا تقوم على ضرورة و إنما على دوافع ذاتية أو مصلحة غير مؤكدة. كما يكون القضاء جهة ضامنة للتعويض العادل لما تقوم به من تقويم للعقار المستملك عن طريق أهل الخبرة. و قد يكون هذا الطرف خير وسيط لبلوغ رضا الملاك حتى تنتفي صبغة الإجبار و التسلط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *