من المدينة إلى المدنية؟ لنبحث من جديد!

CityCity

المصدر: Pablo Álvarez Funes

تقتصر معظم التعاريف التقليدية للمدينة في لسان العرب على معناها اللغوي الذي يقصد به الإقامة في المكان. و لعل ما يؤكد الشيء المتفق عليه هو مكانة المكان في صناعة أو نشأة المدينة. فارتباط الإنسان بالمكان و تفاعله معه له تبعات و آثار متعددة تجعل منه جسما متكيفا باستمرار و جهوده ذات غاية عليا هي ضمان العيش ثم تحقيق الاستقرار ثم الرفاهية في عين المكان. فالساكن في الصحراء عليه أن يواجه الحرارة الزائدة، و الساكن في القطب الشمالي عليه أن يتكيف مع البرد الشديد، و الساكن في المناطق الاستوائية عليه أن يتأقلم مع الرطوبة الزائدة و الأمطار المستمرة و هكذا. و لا يقتصر أثر المكان على مأوى ذلك الإنسان الذي يقصده بل يتعداه إلى سلوكه اليومي من طريقة الأكل و أوقات النوم و طريقة المشي بل إلى غيرها من الطباع الإنسانية.

غير أن الاقتصار على البعد المكاني في فهم المدينة يبقى ناقصا ما  لم يمس الجماعة التي تسكنها. فالإنسان كما قال القدماء مدني بطبعه، حيث يندفع دوما إلى العيش مع الجماعة. فالمدينة عرفا لا تكون إلا باشتراك البشر في العيش بالمكان الواحد و تعاونهم فيما بينهم بما يقدمه بعضهم لبعض من خدمات مما يجعل الإنسان طوعا و كرها مسخرا للآخرين، فيما يستفيد هو كذلك من تواجد الآخرين معه. فالطبيب سيحتاج إلى الخباز، و الخباز سيحتاج إلى المهندس، و المهندس  سيحتاج إلى الخياط، و الخياط سيحتاج إلى الفلاح فيتخذ بعضهم بعضا سخريا.

و عندما جاء الإسلام و صارت للمسلمين شوكة كان أول عمل جماعي يقومون به هو إنشاء مدينتهم. فقد تآخي المهاجرون والأنصار لتنشأ بذلك شبكة جديدة للعلاقات الاجتماعية و بني المسجد ليكون مكانا للعبادة و مركزا جامعا للالتقاء و التشاور. و من هذا المنظور يمكن اعتبار الإسلام دين مدنية حيث جاء ليضع الأسس التي تقوم عليها حياة المجتمع المدني -نسبة إلى المدينة المنورة- بداية ثم المديني  النموذجي، نسبة للمدينة.  فقد وضع قواعد لحسن الجوار و للتصرف في الملكية بما لا يؤذي الآخرين و شجع التفاني في خدمة المجتمع وضبط استعمال السلطة بما يخدم المصلحة العامة.  فالمدنية الإسلامية بكل أبعادها سابقة للمدينة و هي خلفيتها الفكرية و مرجعها الفلسفي.

و على مر العصور أخذت تلك المدنية (النون قبل الياء) تتجسد في المدن الإسلامية القديمة التي  عكست بدورها تلك المدنية المنشودة. و لذلك يمكن قراءة سيرة المسلمين القدامي و أخلاقهم و حياتهم المدنية من خلال شكل المدينة (الياء قبل النون) القديمة في بعدها الزمني الفائت. و لعل هذه القراءة المادية للمدينة الإسلامية دون المدنية التي أملتها هو ما جعل المستشرقين الذين ارتبطوا بمشروع الاستعمار الغربي يتيهون في ماهيتها و يضلون في فهمها.

و قد نكون نحن الذين يعشقون المدينة الإسلامية خاصة من ذوي الاختصاص بدافع التعاطف مع التراث من جهة، و تأثير التكوين الغربي الذي لم ينج منه حتى كاتب هذه السطور، نهيم حبا بما بقي من تلك المدن حتى و إن كتب عليها التهالك البطئ  الذي يسري على كل كائن حي، فيما نتقاعس عن  واجبنا الأهم ببذل الجهد لمسح الغبار عن تلك الخلفية المتمثلة في المدنية الإسلامية التي أثمرت المدن القديمة.

فإذا أردنا أن نحيي المدينة الإسلامية بكل جمالياتها و قيمها  فالطريق لذلك هو إذن عبر إعادة بناء  المدنية الإسلامية في فكرنا و ثقافتنا  و سلوكنا ثم في  مجتمعاتنا التي تتطلع إليها دون أن تلتزم بها بعد. فقراءة الإسلام بطريقة مدينية هي السبيل الوحيدة المؤدية إلى إعادة بناء المدينة الإسلامية. و حينذاك سيكون شكل المدينة إفرازا طبيعيا لتلك القراءة و ولادة طبيعية للمدينة الإسلامية المعاصرة التي قد تحل فيها السيارة مكان الجمل و المصابيح الكهربائية مكان القناديل و المشربية الإلكترونية مكان الخشبية و الالأيباد مكان الجلد و الورق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *