الأجنحة و الرواشن و الساباطات أو الجسر بين الجمال المعماري و القول الفقهي

د/مصطفى بن حموش

1

الصورة: جسر بمدينة زيوريخ بسويسرا

لا يستطيع معماري أن ينكر ما للأجنحة الخارجة على الواجهات أو الجسور التي تعبر عرض الشوارع من واجهة إلى أخرى من جماليات تضفيها على المشهد الحضري في المدن الإسلامية و حتى غير الإسلامية. ففيها تعاقب الظل و النور و فيها علامات اهتداء و فيها تفاصيل معمارية متميزة تنقش نفسها في ذهن الناظر إليها. و هي حركة عفوية ناتجة عن حركة الأشخاص في تشكيل محيطهم في إطار حرياتهم الشخصية في التصرف في ملكياتهم ما داموا لا يمسون بالمصلحة العامة.

 

لا بد للمرء أن يتساءل لماذا غابت هذه العناصر من  مدننا المعاصرة و ما هو الدافع وراء اختفاءها. من المؤكد أن القوانين المعاصرة لها أثرها الكبير في تقييد حريات الأفراد في تصرفاتهم، ففي ظل هيمنة الدولة المعاصرة المؤسسة على البيروقراطية  أصبح لا يجوز للأفراد القيام بأي حركة في المحيط إلا بإذن البلدية و القانون. لقد أضحت هذه القوانين التي في ظاهرها المحافظة على المصلحة العامة من تعدي الأفراد، تعطيلا واضحا للمباح السابق و تجميدا لعقول الناس و إلغاء للذكاء الاجتماعي الذي كان ينبع من مساهمة الأفراد في وضع الحلول لقضاياهم العمرانية و المعمارية المشتركة و التصرف الفطري الذي يستجيب للحاجة و تجسيدا لاستعمال السلطة العامة للمجرد التسلط.

من أهم الكتب التي تعرضت بصيغة مباشرة لمسألة الأجنحة و الرواشن و الشرفات، كتاب الفروق للفقيه المالكي شهاب الدين الصنهاجي المشهور بالقرافي. ففي كتابه الذي يقدم مسائل الشريعة على شكل ثنائيات مختلفة يجمع بين الأحكام الفقهية و أصولها الفقهية بطريقة تأصيل فريدة.

 

2

الصورة: بوابة مدينة المنامة القديمة بالبحرين

ففي الفرق الثاني عشر بعد المائتين يذكر الفرق بين الأهوية و ما تحت الأبنية. و يقصد بالأهوية ما يكون فوق البناء أو الشارع، بحيث يمكن استرجاعه للبناء العلوي الذي يعلو الطابق الأرضي. أما ما تحت الأبنية فهو الفراغ الذي يلي البناء من تحت سطح ا لأرض و الذي يحتاج إلى الحفر لتحديده واستعماله. يقول القرافي:

(…) حكم الأهوية تابع لحكمالأبنية، فهواء الوقف وقف و هوا ء الطلق طلق و هواء الموات موات، و هواء المملوك مملوك، وهواء المسجد له حكم المسجد فلا يقربه الجنب. و مفتضى هذه القاعدة أنه يمنع  بيع هواء المسجد  و الأوقاف إلى عنان السماء لمن أراد غرز خشب حولها، و يبني على رؤوس الخشب سقف عليه بنيان  ولم يخرج عن هذه القاعدة  إلا فرع. قال صاحب  الجواهر: يجوز إخراج الرواشن و الأجنحة  على الحيطان إلى طريق المسلمين إذا لم تكن مستدة، فإذا كات مستدة امتنع إلا أن يرضى أهلها كلهم .  سبب خروج لرواشن عن هذه القاعدة أن الأفنية هي بقية الموات الذي كان قابلا للإحياء ، منع الإحياء فيه لضرورة السلوك و ربط الدواب و غير ذلك، و لا ضرورة في الهواء يبقى على حاله مباحا في السكة النافذة. و أما المستدة فلا، لحصول الاختصاص و تعين الضرر عليهم.  هذا تفصيل الأهوية.

أما ما تحت الأبنية الذي هو عكس الأهوية إلى جهة السفل فظاهر المذهب أنه مخالف لحكم الأبنية، فقد نص صاحب  الطراز  على أن المسجد  إذا حفر تحته  مطمورة يجوز أن يعبرها الجنب و الحائض . و قال لو أجزنا الصلاة في الكعبة  و على ظهرها لم نجزها في مطمورة  تحتها، فهذا  تصريح بمخالفة  الأهوية لما تحت الأبنية.

و كذلك اختلفوا فيمن  ملك أرضا  هل يملك ما فيها و ما تحتها أم لا ؟ و لم يختلفوا في ملك ما فوق  البناء من الهواء على ما علمت. و قد نص  أصحابنا على بيع الهواء لمن ينتفع به.  و سر الفرق بين القاعدتين  أن الناس شأنهم  توفر دواعيهم على العلو في الأبنية، للاستشراف و النظر إلى المواضع  البعيدة من الأنهار، و مواضع الفرح و التنزه، و الاحتجاب عن غيرهم بعلو بنائهم، و غير ذلك  من المقاصد، و لا تتوفر دواعيهم في بطن الأ{ض على أكثر مما يستمسك به البناء من الأساسات خاصة و لو  كان البنء على جبل أو أرض صلبة استغنوا عنه.

و الشرع له قاعدة و هي أنه إنما يملك لأجل الحاجة، و ما لا حاجة  فيه لا يشرع فيه الملك، فلذلك  لم يملك ماتحتالأبنية من تخوم الأرض بخلاف الهواء إلى عنان السماء. فهذا هو الفرق ، و المساجد و الكعبة لما كنات بيوتا كانت المقاصد فيها لمن يدخلها متعلقة بهوائها دون الما تحت بنائها كلاممللوكات فإن قلت : ورد عن رسول الله (ص)  أنه قال من غصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين.  و هذا يدل على ملك ما تحت ذلك الشبر إلى الارض السابعة. قلت تطويقه ذلك إنما كان عقوبة لا لأجل ملك صاحب الشبر  إلى الأرض السابعة، و لا يلزم من العقوبة بالشيء أن يكون مملوكا لغير الله عز و جل، (انتهى كلامه).

من الضروري هنا أن نستدرك على القرافي ببعض آراء فقهاء آخرين خالفوه في هذه المسألة. فأبو القاسم  قاسم بن عبد الله بن محمد بن محمد الأنصاري المعروف بابن الشاط  يرى أن قاعدة الامتلاك للحاجة يقتضي كذلك ملكية ما  تحت البناء لحفر بئر أو المخازن لحفظ الأطعمة و الزرع و غير ذلك من الاستعمال. و فإذا كانت القاعدة أنه يملك مما فيه الحاجة فما المانع من ملك ما تحت البناء لحفر بئر، فالصحيح  أنه لا فرق بين الأمرين. و من الدليل  على ذلك ما هو ملعوم لا شك فيه من أن من ملك موضعا له أن يبني فيه و يرفع فيه البناء ما شاء  ما لم يضر  بغيره و أن له ن يفحر فيه ما شاء و يعمق ما شاء ما لم يضر بغيره.

 

3

الصورة : إحدى المباني بمدينة جدة القديمة، وبها مشربيات تغطي معظم واجهاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *