مدننا في خطر: أو نحو ثقافة العرجلة

د/مصطفى بن حموش

للسيارة أثرها العميق في نشأة المدن المعاصرة و نموها العمراني و إدارتها و حياة المجتمعات المدنية. فقد أصبح تخطيط الشوارع و تصميمها يعتمد أساسا على الاستجابة السلسة لحركة السيارة و متطلبات السرعة و الأمان و رفاهية السائق. هذا فيما تحولت المدينة بعد أن اخترقت السيارة فضاءاتها الحميمة  إلى كيانات منفصلة و أمكنة ملوثة و غير آمنة. كما أدى تزايد السرعة المستمر للمركبات و عددها  إلى انفجار المدينة القديمة المتراصة خارج حدود الأسوار التي كانت سابقا ترسم حدودها و تفصل داخلها عن خارجها و تحدد أقصى المسافات التي يمكن للراجل أن يقطعها ضمن الأسوار لقضاء حوائجه. و أصبح التمدد الزيتي للعمران على طول محاور السير سمة المدنية المعاصرة حيث لم يعد لها حدود تعرف بها أو معالم تحدها.

اكتظاظ السيارات في جنوب إفريقيا http://ccrexpo.com/blog/traffic-jam

لقد فقد المشاة الكثير من الفراغات الحضرية داخل المدينة و التي كانت تحت تصرفهم سابقا. و أخذت السيارة تتوغل في  كل الفراغات الحضرية التي كانت تجمع فئات الناس  و التي يرتادها الراجلون لتحول الكثير منها إلى مواقف. كما تحولت الطرق  إلى مسارات ميكانيكية تمتلئ بطوابير السيارات التي تسير ببطء مخلفة وراءها سحابات من الأدخنة الداكنة. كما تقلصت حركات الراجلين و مساحة حريتهم الجسدية بدافع الحذر و الخوف من الاصطدام و التوجس من الدهس الخطأ فأصبحوا يساقون على الأرصفة الممتدة على طول الشوارع بدل السير  وسطها. و لم يقتصر الأذى على الخوف و تقلص الحركة، بل تعداه إلى صحة هؤلاء، حيث تلوث الهواء فامتزج بسموم الأدخنة و ألوانها و حرارة المحركات، فيما تراجعت أصوات البشر أمام الأبواق القوية و المحركات الصاخبة لتصبح المدينة بذلك آلة ضخمة من  الأصوات الصناعية التي تؤذي الآذان بحدتها.

لقد أصبح الإنسان ضحية للآلة التي صنعها بنفسه. فبقدر ما وفر لنفسه الراحة و الرفاهية و زويت له المسافات الطويلة، فقد مكّن للأمراض و العلل جسمه و أحشاءه و تغيّر هيئته. فقد تحول الإنسان العصري إلى كتلة خاملة منزوعة الإرادة تتجنب السير ما استطاعت و تؤثر الجلوس  و الركوب دوما. لقد غدت نصف مجتمعات المدن تشكو من تصلب الشرايين و ارتفاع الضغط و الدهون في الدم و بروز أمراض السكر و البدانة و ضمور عضلات الأيدي و السيقان و انتفاخ الأحشاء.

و خلف تلك الوداعة التي أضفاها عليها التصميم الدقيق و الشكل الانسيابي، فقد تحولت السيارة كذلك إلى وحش يفترس البشر أمام بيوتهم و على مرأى من ذويهم أو داخل مدنهم. فقد أصبحت حوادث المرور من إحدى الأسباب العشرة الرئيسية للوفيات في عصرنا بعد الحروب و أمراض القلب. هذا فيما تشترك مع أمراض التنفس في ارتفاع الوفيات نتيجة التلوث البيئي.

كما أصابت السيارة حياتنا الاجتماعية في إصابة بليغة. فقد كرست السيارة الفوارق بين سكان المدينة الواحدة. فعلاوة أنها ساهمت في تفكيك الروابط الاجتماعية و فتور العلاقات الإنسانية حيث قللت من فرص تلاقي الأوجه البشرية و التحدث فيما بينها و إلقاء التحية على بعضها، فقد تحولت كذلك إلى رمز للمكانة المادية التي يحتلها مالكها في السلم الاجتماعي. لقد غدا من المعروف أن الإنسان صاحب المكانة المرموقة لا يمشي في الطريق و لا يقطعها إلا راكبا لأن المشاة و الراجلين هم في الغالب من أهل الطبقة السفلى الذين لا يملكون سيارة.

لقد أصبحت الحصيلة بعد قرن من الزمان من اكتشاف السيارة و انتشارها ثقيلة على البيئة و على المجتمع و على صحة الإنسان النفسية و الجسدية و على جمال المدن و الطبيعة. فبقدر الفوائد و الرفاهية التي قدمتها للبشرية كانت كذلك الكوارث و المخاطر المحدقة نتيجة التلوث المتزايد و الفساد الشامل الذي عم الأرض.

و بعد تلك المعاناة التي طالت مدن العالم ظهرت إتجاهات جديدة في التخطيط  و العمران تنادي بوجوب تقييد حركة السيارة في المدينة و الاستغناء عنها بقدر الإمكان حفظا للصحة و دفاعا عن البيئة. و أخذ المفكرون من مخططين و أطباء و مهندسين ينادون بالعودة و لو جزئيا إلى سلوك إنسان ما قبل السيارة بالاعتماد على المشي و إنشاء مناطق و مسارات حضرية خالية من السيارات. و قد نجحت تلك الاتجاهات في تحويل بعض أجزاء المدن و وسطها التاريخي إلى أماكن مخصصة للراجلة. كما ظهرت أسواق و شوارع تجارية مخصصة للمشاة يتجول فيها الإنسان مرتاحا دون أن يتوجس من السيارة و يتمتع برؤية الناس و الجلوس معهم.


شارع في مانيلا: http://www.manila.travel/wiki/images/c/c9/Crowded_streets.jpg 

لكن ذلك النداء بدا أنه لم يكف لإقناع رجل العصر للتخلي عن السيارة التي يعتبرها أكبر مكسب في عصره بل أو أنه لم يصل بعد إلى الكثير من فئات المجتمع. فتلك المساوئ و الأخطار التي تحدق بالمجتمعات و البيئة لم ترق لأن تدفع الإنسان العصري لأن يتخلى عن  ذلك المكسب الفردي سواء بدافع الأنانية أو ضعف الإرادة أو قلة الوعي. و لذلك فلا يمكن بحال أن تحل ثقافة العرجلة بالتخطيط وحده و قوة الشرطة ما لم يتخل الإنسان العصري طواعية عن ثقافة العجلة.

ملاحظة: يقابل مصطلح العرجلة أي على الرجل المفهوم اللاتيني Pedestrianization . و قد جاء في لسان العرب لابن منظور كلمة العرجلة أي الذين يَمْشون على أَقدامهم. قال: ولا يقال عَرْجَلة حتى يكونوا جماعةً مُشاةً. 


One thought on “مدننا في خطر: أو نحو ثقافة العرجلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *