السوق العقارية و التخلف الرقمي في مدننا

 د/مصطفى بن حموش

من منا لم يمارس تلك اللعبة الشيقة على موقع غوغل بأن حدد موقع بيته أو مكان عمله على سطح الكرة الأرضية بنقرة واحدة، فينطلق عبر الشاشة في عملية تركيز سريعة انطلاقا من الفضاء و عبر زمن افتراضي قصير ليرسو على المكان الذي يريده. لقد تسلل هذا التطور إلى حياتنا اليومية حتى في أبسط أشكالها. ففي أماكن أخرى من العالم المتقدم رقميا يمكن لأحدنا  أن يطلب قطعة بيتزا من أقرب محل تجاري أو مطعم  إلى مكان تواجده، في حين أخذت أعقد العمليات العسكرية التي تستعمل فيها صور الأقمار الصناعية لتحديد الأهداف الإستراتيجية و تقييم إمكانات الخصم تعتمد على هذه التقنية كلية.

مدينة حديثة

لعل الثورة التي أحدثتها شركة غوغل هي أجلى صورة لما نعيشه من تقدم تقني في التصوير الجوي و ما له من قوة من رصد أنشطة البشر على وجه الأرض. و مهما يكن لهذا التطور من سلبيات على حياتنا الخاصة فلم يعد هناك مجال للاعتراض بقدر ما أصبح على كل واحد منا التعامل مع هذا الواقع المفروض و الاستفادة  من التطور الذي لم تعد له حدود!

 

لقد أخذ نظام المعلومات العقارية يزدهر في ظل التقدم الهائل الذي يشهده التصوير الجوي من جهة، و تقدم تقنيات الحاسوب في مجال  المسح و التسجيل و التوثيق و التقرير من جهة أخرى. و قد أخذت التطبيقات المباشرة تقرّب الواقع الافتراضي إلى الواقع الحقيقي عن طريق محاكاة العقارات في أبعاد ثلاثية و هي في محيطها العمراني، بل و تمكن زائر ذلك العقار من الحوم حوله و إدراك واجهاته و سطوحه، و حتى التجول داخله و رؤية كل تفاصيله الداخلية عند توفرها.

مدينة بين هضاب

ما معنى نظم المعلومات العقارية

يتعلق النظام ببناء قاعدة معلومات حول كل قطعة أرضية موجودة في حدود إدارية معينة داخل الوطن. فالهيئات البلدية في البلدان المتقدمة تبني تلك القاعدة التي تعرف بالسجل العقاري الرقمي أو الآلي التي تزود الإداري و كذا المواطن بكل ما له علاقة بالقسيمة الأرضية. و يمكن إجمال تلك المعلومات في صنفين، الأول له علاقة بطبيعة القسيمة الأرضية، أما الثاني فيتعلق بالمالكين أو المستعملين، و قد يكونون شخصيات حقيقية أو اعتبارية تقع تحت يدها تلك الأراضي من حيث الملكية و التصرف  والاستغلال.

فقيمة القسيمة الأرضية باعتبارها سلعة متداولة هي ما تساويه عند بيعها أو شرائها في السوق العقارية عن طريق التثمين. و كثيرا ما ترتبط بالضرائب المتراكمة عليها بحسب الأنشطة التي تقوم فيها. و يعود تحديد تلك القيمة عادة إلى المقيّمين العقاريين سواء الخواص أو التابعين للقطاع الحكومي اعتمادا على سوق العقار و الاعتبارات الأخرى مثل العوائق المحيطة أو القيمة الكامنة فيها.

الكعبة من فوق

 

أما المعلومات العقارية المتعلقة بالاستعمال و التنطيق أو نظام المناطق، فهي تصف الأنشطة المناطة بتلك القسيمة وفق المخطط العام للمدينة و قوانين البناء و العمران. و من أمثلة ذلك خطوط الارتداد المترتبة عن حقوق المرور و الخدمات، و عدد الطوابق المسموح بها مراعاة للجيران و تحمل القشرة الأرضية و طبوغرافيتها.

و يدخل في نظام المعلومات العقارية كذلك أسلوب العناوين الذي يحدد مكان العقار و مستعمله أو صاحبه و الذي يسهل علينا الوصول إليه أو مراسلته. و قد تطورت أنظمة كثيرة لتسهيل ترقيم العقارات والمباني على الشوارع.

أما الوصف القانوني فهو ما تعكسه الوثائق الرسمية لتلك الملكية و المستخرجة من سجلات العقود و الدوائر القائمة على المسح الميداني، الذي يبيّن لنا كذلك حدود القسيمة و علاقتها بما جاورها من عقارات أخرى. ويدخل في ذلك ما للقسيمة من حقوق الارتفاق التي تربطها بالقسائم الملاصقة لها، و ذلك مثل حقوق المرور و صرف المياه و الاشتراك في الجدران و غيرها.  كما يمدنا الوصف القانوني للقسيمة باسم المالك و أصل الملكية أو كيفية انتقالها إليه. و قد يمكن ربط المعلومات العقارية بالمعلومات الخاصة للأشخاص، لضبط الضرائب و مراقبة حركة التملك بحسب سياسة كل دولة.

إن نظم المعلومات العقارية ترتبط كذلك باستعمالات الأرض في مدينة أو منطقة عمرانية ما، كما تعطينا نبذة واضحة عن الخدمات المتوفرة لدى سكان تلك المدينة أو منطقة، و عن مستوى حالتهم الاجتماعية و المدنية.

هل من ضرورة لنظام معلومات عقارية؟

يرى أحد أكبر الاقتصاديين العالميين شهرة السيد هيرناندو دي سوتو أن العقار هو أحد ركائز الاقتصاد الحديث و هو مفتاح نجاح النظام الرأسمالي. فالمعلومة العقارية هي قلب اقتصاد العالم المتقدم بخلاف  البلدان المتخلفة التي يشكو نظامها العقاري من الفوضى و الجهالة. ففي رأي هذا الخبير العقاري العالمي أن قوة المعلومة العقارية هي التي تسير الاقتصاد المحلي في البلدان المتقدمة، و هي نفسها التي تبقي البلدان المتخلفة في تخلفها. فالفقراء لهم بيوت لكن ليس لهم عقود، و لهم ثمار لكن ليس لهم وثائق، و لهم تجارة و لكن ليس لهم وضع قانوني، و هذا هو السبب الرئيسي وراء تعطل عجلة الاقتصاد المحلي داخل تلك البلدان. إن الوضع العقاري في البلدان المتخلفة هو ببساطة رأسمال عاطل و راكد.

فنظام المعلومات العقارية يوفر للبلد سجلا عاما لكل من يملك، و ماذا يملك، و أين موقع الملكية وما هي قيمتها السوقية. و هذا يعني أن البنوك و المؤسسات المالية الأخرى يمكنها أن تستثمر و أن تضخّ الرساميل التي سيستفيد منها الملاك و المستثمرون و التي تحرّك السوق و الاقتصاد المحلي.

إن قيمة نظام المعلومات العقارية يكمن في تصور غيابه. فعلينا أن  نتخيل مثلا بلدا لا أحد يعلم ماذا يملك الآخرون، و من يملك ماذا، أو بلدا ليس فيه نظام للعناوين، أو بلدا يستحيل فيه بيع الممتلكات، أو يمنع أصحاب الملكيات من قسمتها إلى حصص أصغر، أو بلدا لا يوجد فيه وصف دقيق و منظم و موحد للملكيات العقارية حيث لا يمكن المقارنة بين القسائم، أو بلدا فيه قوانين المتعلقة بالعقار مجهولة لدى سكانه. إن هذا بالطبع هو الواقع الذي يعيشه حقيقة ما يقارب ثمانين بالمائة 80 % من سكان العالم بشكل أو بآخر!

ماذا يقدم نظم المعلومات للسوق العقارية؟

يعتمد تصميم نظام المعلومات العقارية على المستفيد منها، و يمكن قسمتها إلى ثلاثة أقسام. فالقطاع العام يستفيد من النظام كوسيلة ناجعة لرفع كفاءة العمل الإداري و تقليص البيروقراطية سواء من جهة الموظف أو المواطن الذي يقصد المؤسسات الحكومية. كما تفيد تلك المعلومات القطاع الحكومي في تنفيذ السياسات العمرانية و المشاريع الحكومية و إمداد الخدمات العامة والمرافق لرفع مستوى المعيشة و المحافظة عليه.  

أما المؤسسات الخاصة فيمكن أن تستفيد من المعلومات العقارية باعتبارها مادة للاستهلاك و التداول في السوق العقارية. فالنظام يمد المؤسسات و المستثمرين بالمعلومات الموثقة والصحيحة و المعتمدة و الحديثة التي بها يتم اتخاذ قرار الشراء أو الاستثمار. كما يستطيع المستثمر بناء على هذا النظام القيام بدراسة الجدوى الاقتصادية و سيناريوهات الاستثمار و تقدير التكاليف و الأرباح و الأخطار. كما يستطيع بواسطة هذا النظام القيام بالدراسة المقارنة بين عدة فرص استثمارية عقارية اعتمادا على خصوصيات  القسائم المتاحة، من حيث الثمن و المساحة و الموقع و الكمون الاستثماري و التنبؤات.

أما رجل الشارع فيستفيد من النظام العقاري ابتداء من البحث عن العناوين و الأسماء و الأنشطة الحضرية المرغوبة استجابة لحاجاته اليومية المتولدة،  إلى تحقيق رغبته في تغيير مسكنه بناء على تغير التركيبة العائلية مثلا أو تحسن أو تدهور حالته المعيشية.

إن توفر هذا النظام يختزل كذلك الكثير من جهود المعاملات البيروقراطية و أوقات المواطنين و يزيد في الشفافية الإدارية مما يقرّب المواطن من إدارته. ففي كارولينا الشمالية كانت هناك تجربة فتح موقع إلكتروني عن المعلومات العقارية بإحدى المدن الصغيرة بطلب من سكان تلك المنطقة لرفع معاناتهم مع الجهات الحكومية المتعددة. و كانت المفاجأة أن الموقع أصبح يدخله ما يقارب 20000 عشرين ألف زائر يوميا. و قد صنفت تلك الزيارات بحسب نوعها فوجد أن الهدف كان في الغالب الحصول على العناوين، و معرفة ملاّك القطع الأرضية، أو قيمتها التجارية، و معرفة العقارات المجاورة لها، و الأسئلة عن الأوضاع القانونية و الإدارية المعقدة للقسائم.

السوق العقارية في البلدان العربية

لعل ما تشهده مدن البلاد العربية من تمدد عمراني غير مراقب بسبب النمو الديمغرافي و الانفلات الإداري الحضري  هو أحد حوافز الاهتمام بنظام المعلومات العقارية الذي سيكون له التأثير المباشر على السوق العقارية و على العديد من قطاعات الدولة و الشركات العقارية و المستثمرين الخواص بل  والإنسان العادي.

إن حداثة هذا الوضع يتطلب إنشاء و بناء سوق عقارية سليمة مؤسسة على معلومات صحيحة و شفافة و حديثة وسهلة التداول. فالمعلومات الغامضة أو المفقودة بالإضافة إلى غياب قواعد اللعبة العقارية ستفتح الباب لكثير من المغالطات في الصفقات و المخاطر في الاستثمار مما سيكون لها عواقب غير مرغوبة على المدى الطويل. أما على المدى القصير فإن غياب تلك المعلومات لها عواقب متعددة منها تكاثر الخصومات والنزاعات الخطيرة ما بين الأطراف  المتعاقدة، و تراكم الحالات على الجهات القضائية و الإدارية المسؤولة. و قد يحدث في أي وقت اضطراب السوق بسبب الخوف من المغامرة في الدخول في صفقات مشبوهة و غير مضمونة أو السحب السريع للأموال لأدنى توقع سلبي مما سيكون له أثر على العمران و على الاقتصاد المحلي.

أما على مستوى القطاع العام فإن الكثير من القرارات المهمة على المستويين  المحلي و الوطني تتخذ بناء على المعلومات العقارية. فلا يمكن وضع سياسة لإدارة المصادر المالية، أو إحلال العدالة الاجتماعية، أو المحافظة على البيئة، أو تجنب الكوارث الطبيعية، أو تطوير المجتمعات اقتصاديا و ثقافيا و سياسيا إلا ببناء قاعدة للمعلومات العقارية. و لذلك كله أصبح لزاما على المؤسسات الحكومية بل و حتى الوكالات الخاصة والشركات الاستثمارية بناء نظم للمعلومات العقارية و صيانتها و تحديثها باستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *