كالاترافا سانتياغو و الجذور الأندلسية

 د/مصطفى بن حموش     جامعة البحرين

مدينة زيوريخ، تلك المدينة الصغيرة ذات الشوارع الهادئة و البنايات القديمة و المحاطة بالحقول الخضراء التي تغطي الهضاب الصغيرة تبعث في زائرها الطمأنينة و حب الطبيعة، خاصة عندما يمشى على طولها نهرها الذي يمتلئ بالبجعات البيضاء التي يخترق صوتها صمت الضفة. بعدما قضينا الليلة في فندق حيات الواقع في وسطها، توجهنا صباح يوم 27 أكتوبر 2008، إلى مكتب المهندس سانتياغو كلاترافا الواقع على مسافة حوالي عشر دقائق و في مبنى عتيق مثلما هو حال معظم مباني هذه المدينة، لا يحمل أي دلالة على عظمة صاحبها أو طابع مشاريعه المتميزة.


1 2

إحدى الرسومات الأولية للمشروع

استقبلنا بحفاوة، و كانت بشرته السمراء و شعره الأسود يوحيان بأنه أشبه بالجنس العربي. فقد ولد في قرية بني ماميت أو بني محمد التي أصبحت الآن جزءا من فلنسيا، تلك المدينة الأندلسية التي سقطت في يد الصليبيين  سنة 1238 م، و التي غادرها المسلمون و الكثير من اليهود بعد ذاك خوفا من بطش الغزاة. فهو في الأصل يهودي تنصرت عائلته و جميع أهل قريته و تحولت إلى الكاثولوكية قسرا. و قد بادر برفع اللبس عن اسمه و كأنه قرأ ما في خلدنا و عواطفنا نحو بلاده، فسألنا عن سر اسمه، حيث أجاب بأنه من أصل عربي. فهو في الواقع يتكون من كلمتين الأولى هي كلات، و الثانية رافا، و هما في الحقيقة تحريف لكلمتي قلعة الربى.


3

تواضع لغته الإنجليزية التي تبدو على لسانه لغة مصطنعة و غير سلسة لما يشوبها من نطق إسباني لم تمنعه من توصيل خواطره المفعمة و حميميته تجاه الثقافة العربية و الإسلامية التي يبدو أنه نشأ في أحضانها. و  حين انفردت بالحديث معه خلال وقت الاستراحة بادرني بالحديث باللغة الفرنسية و التي وجدت أنها لا تزداد عن الإنجليزية جودة. و قد سألني عن معماري عمل كثيرا في الجزائر لم يذكر اسمه. و قد يكون يقصد الفرنسي فرنان بويون الذي نشأ في جنوب فرنسا و الذي أقام بالجزائر و قام بعدة مشاريع في الجزائر مثل الحيين السكينيين ديار المحصول و ديار السعادة و فندق القرارة بمدينة تيميمون و كان هو الآخر مولعا بالعمارة المحلية بشمال إفريقيا. و قد تذكرت حين كنت طالبا مزحتنا عن عمارته حين صمّم في مدينة غرداية فندقا و دار البلدية مستوحيا أشكاله و طرازه المعماري  من الأضرحة و المقابر فاستعمل بذلك  عمارة الأموات للأحياء.

بدأ كالاترافا دراسته الابتدائية متأخرا. فعندما كان في الثامنة من العمر التحق بإحدى مدارس الفنون و الحرف بمدينة فلنسيا،  ثم توجه بعدها إلى باريس لإكمال دراسته بمدرسة الفنون الجميلة. لكن ظروف الحركة الاحتجاجية الطلابية الكبرى التي قامت سنة 1967 حالت دون بقائه في فرنسا، حيث عاد إلى بلاده ليلتحق بالمدرسة التقنية للهندسة المعمارية التي واصل فيها دراسته العليا في التخطيط العمراني والتي مكنته من السفر إلى سويسرا لإتمام الدكتوراه ابتداء من سنة 1975. و قد تركزت اهتماماته أوائل تكوينه الجامعي على التراث  الفني بمدن الأندلس التي كانت لا تزال تحتفظ بالكثير من تراثها العربي الإسلامي. و قد يكون ذلك وراء حبه العميق للرياضيات و الأنماط و التجريد. و يبدو أن  توجهه إلى معهد زيوريخ التقني لدراسة الهندسة المدنية و تركيزه على موضوع نظام المطويات حيث تمتزج فيها الرياضيات و اقتصاد الفراغ و التوازن الإنشائي لم يكن إلا امتدادا لشخصيته المتعددة الأوجه.

.

4

بدأ حياته المهنية بمسابقة فاز فيها سنة 1983 لتصميم إحدى محطات قطار المدينة السويسرية التي درس فيها، تلته بعد سنة الفوز بمسابقة تصميم جسر ببرشلونة التي كانت لتحتضن دورة الألعاب الأولمبية. و قد وضع هذا المشروع اسمه ضمن السمعة العالمية حيث تبعته عدة مشاريع لتصميم الجسور التي زادت عن الخمسين ليكون بذلك أحد أعلامها المعاصرين.

لقد اجتمعت في شخص كالاترافا ثلاث شخصيات متكاملة هي الفنان التشكيلي ثم المعماري ثم المهندس المدني. و لذلك فإن مشاريعه بالإضافة إلى ميزتها الإنشائية تحمل لمسة من الشاعرية و تطويع التكنولوجيا، مثلما هو حال جسر إشبيلية أو محطة ساتولاز. كما يحرص في مشاريعه على إضفاء بعد العضوية المستوحاة من أعضاء الجسم أو الكائنات البيولوجية. و يهيم بالحركات مثلما يكون أجفان العين أو مرونة العمود الفقري الذي يسمح للجسم بالدوران حول نفسه أو حركة سنابل القمح و هي تتماوج في حقول بفعل الرياح الخفيفة أو القفص الصدري للحيوانات التي تحيط بالقلب و الرئتين. و قد ذكر أنه تأثر بالمعماري الإسباني المشهور غاودي بأشكاله العضوية الخارجة عن المعهود في حين تعيد رسوماته الاولية إلى الأذهان نفس رسومات الفنان الإيطالي ليوناردو دافينشي التجريبية.

ما إن بدأنا المحادثة حتى وجدنا يبوح بمشاعره لنا بحب الأندلس و آثارها التي لا تنسى، بل إنه ذكر لنا أن اسمه في الأصل عربي. فهو يتكون من كلمتين قلعة الربي التي تحولت فيما بعد إلى كلاترافا. حيث أن عائلته التي كانت تسكن إحدى أحياء فالانسيا استمدت اسمها من الموقع. و خلال المناقشة جاء بكتاب ضخم يضم الكثير من التفاصيل و المباني المعمارية للعمارة الأندلسية بما فيها الفسيفساء و الزخرفة و المقرنصات و غيرها مما يعرفه الفن الإسلامي التي وضع على بعض صفحاته أوراق للعودة إليها و تذكرها. يقول و هو يقلب صفحات ذلك الكتاب أن من يعيش في إسبانيا يدرك مدى تواجد الثقافة العربية و حضورها في الحياة اليومية.

كالاترافيا مولع باستيحاء تصميمه من عناصر الطبيعة و أعضاء الجسم و الكائنات الحية  و هو ما يعرف حاليا بحركة البيومورفيزم و الزوومورفيزم. ففي الكثير من الأشكال نجد أنها مستوحاة من رموش العين المتحركة، أو حركة التواء الجسم و دورانه حول العمود الفقري على شكل حلزوني، و هي المنطلقات التي يجسدها برسومات أولية مثلما كان حال ليوناردو دافينشي. و حين كنا نناقش المشروع الذي زرناه من أجله جاء لنا بنموذج بناء صغير يتمثل في جناحين ينبسطان ليغطيا مساحة كبيرة ثم يتطابقان عموديا ليتلامسا مثل أجنحة الفراشة. و كانت تلك الحركة  يحكمها محرك صغير و زر للتشغيل و الإطفاء.


5

و في نفس سياق ولعه بالمسطحات المتحركة، يحكي عن ابنه الذي يقيم في دبي أنه جاء له بهدية بسيطة من البلاد العربية، لكنها ثمينة حيث تحولت إلى مصدر استيحاء. فقد كانت نموذجا خشبيا من لوحتين متقاطعتين تستعمل لحمل القرءان و فتحه للتلاوته و الذي كان يطوى عند الانتهاء. فدوران اللوحتين حول محورهما المشترك على شكل علامة الضرب أو إكس يعكس ما كان يتخيله من سطوح متحركة قد تستعمل لتغطية الفراغات أو إعطاء الظل عند الضرورة ثم رفعها عند عدم الحاجة إلى التسقيف.

من ميزات عمارة كالاترافا مزجها بين المعمار و الهندسة المدنية، و بين الفن التشكيلي و الفن المعماري، و بين البيولوجيا و التكنولوجيا مما يميّزه عن غيره من المعماريين. إن مزجه الخارق لهذه المجالات كما تبدو في رسوماته الأولية حيث تظهر أجزاء من الجسم البشري بجنب التقنيات العالية و بيانات الأحمال و مقاومة  مواد البناء تستحضر في  ذهن الشاهد أعمال ليوناردو دافينشي التي تمتزج فيها رسومات الأعضاء البشرية و الدورة الدموية  بمشاريع الآلات المختلفة و الميكانيكا،  و حب الاستكشاف و الاختراع بالخواطر و الشاعرية. غير أن تماديه في تحقيق الأشكال العضوية كثيرا ما يكون على حساب اقتصاد المشروع، حيث يؤدي إلى تكاليف باهضة و أحيانا خيالية دون الحاجة إلى ذلك و بدافع الرغبة الداخلية للمعماري للانفراد و هو ما يفتح عليه أبواب النقد و التحفظ.

.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *