عمارة الائتلاف و عمارة الاختلاف

 د/مصطفى بن حموش
 أستاذ مشارك بجامعة البحرين

unusual_architecture-18 weird-building-design-3shoe-house-south-africa

غالبا ما يحلو للمعماريين تصميم ما يخالف المحيط و المعهود من البناء و ذلك بغرض جلب الانتباه و تحقيق الإبهار و إظهار القدرة الإبداعية. و لعل ذلك يدفع المعماري إلى السقوط في محذورين. أولهما تحويل المجال المعماري و المهنة إلى وسيلة لإثبات “الأنا” و خدمتها و تمجيد شخص المعماري، حيث يدفعه تخليد اسمه عبر ذلك المبنى أو التصميم ليقال أن هذا البناء قد صممه المعماري المشهور فلان، فيبقى شاهدا عليه طالما بقي المبنى على وجه الأرض.

 

أما المحذور الآخر فهو الدخول في عملية المخالفة مع الغير و تمييز المبنى أو التصميم عن المباني المحيطة به أو الموقع الذي هو فيه. إن هذا التوجه له تبعات غير محبذة على المدينة و على الموقع الذي سيضاف إليه المبنى الجديد.  فإذا لم يلتزم المعماري بالتجانس العمراني و الاندماج في ذلك الموقع فإن المدينة ستصبح مختبرا للأشكال المتنافرة التي صممها المعماريون بتلك الخلفية التنافسية.

إن نظرة عامة على معظم مدننا المعاصرة تؤكد وجود هذا المنحى الخلافي الذي أدى إلى تخريب التناسق العمراني و إلى تواجد اضطراري لطرز و أساليب و لغات معماري متنافرة و غير متناغمة، و  الذي أدى إلى ما يمكن تسميته  بالتلوث البصري.

في الماضي و خلال القرون الطويلة من الممارسة المعمارية لمختلف المجتمعات ما قبل الصناعية  كانت تتسم المدينة و المستوطنات البشرية بالتجانس المعماري  و التآلف قد أضفاها عليه وحدة مواد البناء و تكنولوجيا البناء و الأعراف السائدة و المستقرة. أما في وقتنا فإنه لا يمكن فهم عمارة الاختلاف إلا في  السياق الاقتصادي و الثقافي الغربي المؤسس على التنافسية الشديدة و قيم الفردانية و مواجهة الطبيعة و العقلية الاستهلاكية و السعي للرفاهية القصوى. لقد أدى الدافع الرأسمالي و المادي  إلى  تسخير العمارة و توظيفها في الصراع الطبقي و الغلبة المادية للغني على الفقير و القوي على الضعيف و الشراسة في الخصومة في إطار الصراع من أجل البقاء.

إن عمارة الاختلاف هي بالضرورة عمارة تغيب فيها قيم التواضع و التآلف مع المكان. فهي تسعى لأن تطغى على المباني المحيطة  و تخرج عن المألوف تماما كما يلجأ الإنسان إلى تمييز نفسه عن غيره باللباس الغريب أو تسعى المرأة إلى الإكثار من المساحيق و الألوان على وجهها لتجلب الأنظار في الشارع.

إن البديل بالطبع هو استغلال ملكات الإبداع المعماري و قدرات الاختراع في التصميم في سبيل الوصول إلى عمارة متآلفة مع غيرها و تعزيز التجانس العمراني الذي بدوره يخدم وحدة المدينة و العمران. فالاندماج في الموقع يتطلب اعتبار المعطيات المحيطة و العوائق الموجودة مما يؤدي إلى  تنمية حس المساهمة و تقوية التجانس و الانتماء.

و ليس بالضرورة أن العمل على إيجاد عمارة الإتلاف يؤدي إلى فقدان القيم الجمالية و الحس الإبداعي و التحديثي و السقوط في التكرار و ترديد المعهود و الانحلال في ثقافة الجموع. فالنجاح في مسعى الإتلاف يتطلب حل كل المشكلات المحيطة و الحصول على حل مميز لا يصلح إلا للموقع الذي يوجد فيه المشروع، بحيث أنه لو وضع في مكان آخر فقد خصوصيته أو صلاحيته، و من ثم المساهمة في رفع الثقافة العامة و تحسين البيئة المعمارية و العمرانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *