المعماري الياباني تاداو أندو أو تواضع العظماء

{jcomments on}
د/مصطفى بن حموش
أستاذ مشارك بجامعة البحرين

بعدما وصلنا مدينة أوزاكا في مهمة للقاء المعماري العالمي تاداو أندو في مشروع حكومي، و قضينا الليلة في فندق حيات الراقي، قمنا صباحا يوم 14 أكتوبر 2008 و انتظرنا في البهو لنجد مبعوث مكتب المعماري في انتظارنا لأخذنا إلى المكتب مشيا كونه غير بعيد. و لأنه كان هناك بعض الرذاذ و الأمطار الخفيفة فقد تحرجنا كيف سنسير في الشوارع و ندخل الاجتماع مبتلين. و كانت المفاجأة الأولى أن ذلك المبعوث قد أحضر لنا حزمة من المظلات بعدد أشخاص الفريق.

Image 1-HistoricalMuseum

مشروع المتحف الطبيعي لتاداو أندو و ارتباطه العضوي بالبيئة.

 

وصلنا إلى المكتب الذي كان في مبنى متواضع من ثلاث أدوار فيما أعتقد. وقفنا عند الباب و وجدنا أنه علينا نزع أحذيتنا و استبدالها بنعال خفيفة. و فيما كنت أنزع حذائي و أجرب النعال الصغيرة ذات المقياس الياباني أيهما أنسب لي، كان هناك شخص واقف ينتظرني. و قلت في نفسي و قد كانت العادات الخليجية قد طبعتني بعد قضاء ما يزيد على الخمسة عشر سنة في بلدانه، أن هذا الخادم سيأخذ حذائي و يضعه في مكان مناسب. و بعد أن لبست النعال تقدم إلي و بادرني بالمصافحة و انحناء طفيف، و يا للمفاجأة الثانية أنه قال بلكنة إنجليزية متهجئة: أنا تادوا أندو. لقد جاء بنفسه ليرحب بنا عند الباب.

Image 2-

 تاداو أندو مع الكاتب خلال الزيارة

لقد كان قصير القامة يرتدي ثيابا متواضعة لو بيعت في السوق الشعبي بإحدى مدن الخليج لما طمع أحد في شرائها   لبساطتها المفرطة. و بعد أن رافقنا في الدرج الخشبي الضيق نحو الطابق الأعلى قدّمنا فردا فردا إلى فريقه الذي يتكون من زوجته و معماريين شباب جاءوا من مختلف أصقاع العالم كتلاميذ ليتعلموا من هذا المعماري الياباني الذي ذاع صيته في الكون. استدركت زوجته استغرابنا لصغر الفريق فذكرت ما فهمته منها أن المكتب لا يأخذ إلا مشاريع ذات النوعية العالية و لا يتكلف بالدخول في المشاريع الضخمة. و حينها أدركنا أن المعماري تادوا أندو لا يحسن اللغة الإنجليزية و أن كل شيء يمر عن طريق زوجته التي كانت لغتها هي الأخرى بسيطة و بطيئة.

كان المكان مليئا بالمجسمات الخشبية و الفلينية و لم نكن نجد طريقنا بينها إلا بالسير في مسارات متعرجة لنصل إلى قاعة العرض الصغيرة التي سنرى فيها مقترح المشروع المطلوب. لقد أدركنا حينها ثقافة المكان الصغير و التوظيف الاقتصادي العالي لمرونته و تطويع التكنولوجيا المتناهية له. لم نكن نرى الجدران في كل الطوابق التي زرناها، حيث أنها كانت كلها مكسوة برفوف الكتب التي جمعها المعماري في رحلاته أو إهداءات الآخرين له أو خرائط المشاريع الملفوفة أو المجسمات الصغيرة.

Image 4

 تاداو أندو و خلفه الجدار المكتبة

عندما بدأ عرض المشروع على شكل مجسمات فلينية، وجدنا أنه قد تم صناعة ما يقرب من ستين نموذج مقترح كان على المكتب تحضيرها قبل حصر إمكانيات الحلول البديلة و الوصول إلى رضا الزبون و تسهيل التواصل معه. لقد كانت الحلول النظرية رغم عدم واقعيتها مبهرة في دقتها، تبيّن مدى الجهد النظري الذي بذله المكتب في غياب معطيات الموقع و تفاصيل المتطلبات. لقد كانت المقترحات مزيجا من الوعي الروحي العالي و الحساسية المرهفة للخصوصيات المكان الذي يميز أعمال تاداو في العادة و التسخير التكنولوجي للتقنية اليابانية الدقيقة والراقية التي تعنى بالتفاصيل في كل شؤون الحياة. و لذلك فقد كانت تعكس في رأيي تيارين معماريين سائدين أحدهما المينيماليزم أو الدنيوية و الآخر الهايتك أو التكنولوجيا الرفيعة.

image 3

 الاستغلال التكنولوجي لاستعمال الحمام، بحسب الجنس و حرارة الماء و الكمية اللازمة

أدركت بعد أن انتهى العرض الأولي أن اليابانيين ليسوا أذكى من غيرهم، و أن تميّزهم كان في تفانيهم و إتقانهم بأسلوب لا يترك مجالا للنقد أو التنقيص لما يعملون. و قد كان الإحساس بروح الفريق قويا حيث كان التنسيق بين الأفراد عاليا و الأداء متقنا كل حسب دوره.

لم يكن تاداو أندو يتكلم بسبب عائق اللغة من جهة و ثقافة المعلم الروحي و التلميذ المطيع من جهة أخرى. لقد فوض أحد المعماريين الشباب غير اليابانيين –أعتقد أنه من فنزويلا- لشرح المقترحات و الرد على الأسئلة. لكنه كان من مكانه يتحدث بإشارات عينيه. فكلما رأى ضرورة عرض لوحة أخرى، نظر إلى مكانها ليسرع الكل و كأنهم جن ليحضروها في لمح البصر ويضعوها في المنصة و يستمر العرض.

انتهت فترة الصبيحة، فاتجهنا إلى المطعم في حي مجاور. صعدنا سلالم كهربائية و مررنا بدهاليز مليئة بتفاصيل و ألوان من وحي الفن الياباني لنقابل عمال المطعم و نتلقى تحيتهم المميزة و المتواضعة بإحناء الرأس. جلسنا في مقاعد منخفضة لنجد  أرجلنا تتدلى داخل الحفرة و تقوم على قاعدة تحت مستوى الأرض. و  قد أعدت لنا وجبات خفيفة لا تذهب عقولنا و تدفعنا إلى القيلولة مثلما تعودنا في الخليج. و كان من سوء حظنا أن تكون الأكلات سمكا نيئا غير مطبوخ، مما كان على كل واحد أن يتجرعه و لا يسيغه فيدفع تلك القطع  في حلقه و يقاوم القيء.

و كان المعماري تادوا مقابلا لي في طاولة الغداء صامتا طيلة فترة حديثنا مع تلامذته و مساعديه، حيث كان لا يتقن اللغة و لا يستطيع الدخول معنا في المناقشة. و قد رأيته سارحا بذهنه بعد أن أحس بعدم ارتقاء المقترحات المطروحة إلى  متطلبات المشروع. و ما لبث حتى أخذ إحدى المحارم الورقية المعدة للمسح ليرسم عليها كروكيات غير واضحة أدركت فيما بعد أنها بذور المقترح الجديد الذي سينتهي إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *