مسجد على شكل كرة: أو الخطأ الشائع في التصميم المعماري

د/مصطفى بن حموش

 

sphere in box mosque-1

{jcomments on} sphere in box mosque-2

sphere in box mosque-3

sphere in box mosque-4

sphere in box mosque-5

sphere in box mosque-6

sphere in box mosque-7

sphere in box mosque-8

يقدم لنا المشروع الذي صممه مكتب استديو ألف-ياء Studio O-Z التركي لبلدية قيصري شرق تركيا نموذجا من الاستيحاء من العمارة العثمانية. فقد استلهم المعماريون شكل و طراز المسجد من النموذج الذي طوره المعماري العثماني المشهور سنان باشا.  و تقوم فكرة التصميم على وضع قاعة الصلاة التي هي أهم عنصر في المسجد على شكل بيضة محاطة بعلبة مكعبة. و قد أرجع المعماريون أصول الفكرة إلى المساجد التقليدية التي تشتهر بها مدينة اسطنبول.

و الواقع أن المعماري العثماني سنان باشا انطلق في تطويره لطراز المساجد العثمانية من الكتدرائية التي أقامها البيزنطيون في عاصمتهم القسطنيطينة في القرن السادس الميلادي و التي كانت تهيمن على المدينة بشكلها الضخم، و التي تقدم نموذجا للفضاء المعماري الخالي من الأعمدة و الجدران الحاملة.

وقد استفاد المعماري سنان باشا أيما استفادة من هذا النموذج في تقديم بديل جديد للمساجد الأموية التي كانت تقوم على السقوف المائلة و الأعمدة الكثيرة و الضخمة التي كانت تملأ قاعات الصلاة و التي تعكس إلى حد بعيد الحدود التكنولوجية لذلك الزمان. فالقبة تسمح بتغطية مساحة كبيرة دون اللجوء إلى الأعمدة أو الحوائط العريضة.

و لذلك نقف هنا عند ما تقدمه لنا العمارة العثمانية التي طورها المعماري سنان باشا من دروس قيمة في مفهوم العمارة الإسلامية، نكتفي هنا بعرض اثنين منها.

فبخلاف ما يروّجه بعض المستشرقين من أن العمارة الإسلامية لم تكن مبدعة بقدر ما كانت تقوم على إعادة استعمال عمارة الآخرين، و هو ما قد يسمى بالسرقة الأدبية، فإن المبدأ يبيّن لنا أن الحضارة الإسلامية كانت تقوم على الفكر الاستيعابي لعمارة غير المسلمين. فهي تفتح الأبواب للاقتباس في إطار مبادئ الإسلام العامة، و ما دام ذلك  لا يتصادم مع الأحكام الشرعية و المقاصد العامة. و هكذا فقد فتح الإسلام الباب أمام الثقافات الأخرى لتعيش تحت مظلته  بكل حرية دون أن تضطر إلى التخلي عن مقوماتها و تاريخها  و خصوصياتها.

أما الدرس الآخر فهو أن  تصميم المساجد في العهد العثماني بالإضافة إلى  ما يوحي شكلها الخارجي من اهتمام بالجمال الظاهر كان يهتم أيما اهتمام بالباطن إن لم يكن هذا أولى و الآخر نتيجة طبيعية له. فقد كانت القبة تسمح للحصول على فراغ معماري خال من الأعمدة و الجدران الحاملة مما يمكن المصلين من إقامة الصفوف المستمرة دون انقطاع، و متابعة  الخطيب و هو على المنبر دون حائل بصري.

إن التصميم الذي بين أيدينا مع ما فيه من إبداع شكلي و قفزة تكنولوجية و اجتهاد معماري للتحديث المؤسس على الاستيحاء من التراث ثم الاستجابة لتحقيق الفراغ الحر  من الأعمدة قد سقط في خطأ فادح مفاده وضع القاعة في شكل دائري يجعل الصفوف الأولى قصيرة و  الصفوف الوسطى أطول، و هو ما يتنافى مع متطلبات الصلاة في تكثير عدد المصلين في الصفوف الأولى و الذي يعكسه بكل وضوح أنماط المساجد عبر التاريخ الإسلامي.

تحت القبة الضخمة التي كان يصممها المعماري سنان باشا كانت هناك دائما قاعة مربعة لتستجيب لهذا المطلب، بعكس ما نجده في هذا التصميم. و لعله من الخطأ الشائع لدى المصممين اللجوء في تصميم المساجد إلى الأشكال الدائرية كما هو حال هذا المقترح، أو الأشكال السداسية أو الثمانية التي تسترجع صورة قبة الصخرة في القدس الشريف. إن هذا الخطأ يتكرر بشكل ملحوظ لدى المعماريين عندما يستوحون الشكل الدائري كذلك من صفوف المصلين الدائرية حول الكعبة و الذي يعد استثناء غير قابل للتكرار.

ثمة مسألة شائكة يطرحه هذا التصميم تتمثل في تغييب الأشكال المعمارية العرفية. فالمجتمعات الإسلامية تتعارف حول استعمال مفردات القبة و المآذن للتعبير و التعرف على المسجد في الحياة العامة. فمع تسليمنا للضرورة الإبداعية في التصميم فما هو موقف هذا التصميم من الصورة الاجتماعية العرفية لدى المجتمع و هل يقبل المجتمع هذا الشكل الغريب؟ و كيف سيتعامل معه؟ وهل من المستحسن طرح أشكال غير مسبوقة أم استدعاء الصورة المعمارية العرفية و الاجتهاد فيها دون فقدانها كلية؟

مصدر الصور و وصف المشروع من موقع:

http://www.archdaily.com/56689/mosque-proposal-studioz/

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *